ناجي الخوري
في الاقتصادات التي تمر بمرحلة تعافٍ، لا تكفي مؤشرات النمو وحدها للحكم على متانة المسار الاقتصادي. فارتفاع الاستهلاك والنشاط التجاري قد يعطيان انطباعاً إيجابياً، لكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عند النظر إلى ميزان التجارة الخارجية، وتحديداً إلى العلاقة بين الواردات والصادرات وحجم العملات الأجنبية التي تدخل إلى الاقتصاد وتخرج منه.
في الحالة اللبنانية، تبدو هذه المعادلة أكثر حساسية، نظراً إلى طبيعة الاقتصاد اللبناني واعتماده التاريخي على الاستيراد وعلى تدفقات العملات الأجنبية من الخارج، إذ تكشف أرقام النصف الأول من عام 2026 عن تطور يستحق التوقف عنده، إذ ارتفعت الواردات اللبنانية إلى نحو 10.1 مليارات دولار، مقابل 9.6 مليارات دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة تقارب 540 مليون دولار، أي 5.6 في المئة، في مقابل، تراجع الصادرات من نحو 1.7 مليار دولار إلى 1.4 مليار دولار، بانخفاض يقارب 247 مليون دولار، أي 14.1 في المئة.
وتقول مصادر اقتصادية ومالية، إن المشكلة لا تكمن في ارتفاع الواردات بحد ذاته، بل في أن الزيادة جاءت مترافقة مع تراجع الصادرات، ما أدى إلى اتساع العجز التجاري من نحو 7.8 مليارات دولار إلى 8.6 مليارات دولار، أي بزيادة تقارب 786 مليون دولار، وبنسبة تصل إلى 10 في المئة، معتبرة أن هذه الأرقام تعكس استمرار الاختلال البنيوي في الاقتصاد اللبناني، حيث يبقى حجم ما يشتريه لبنان من الخارج أكبر بكثير مما يستطيع بيعه للأسواق الخارجية. وفي ظل هذه المعادلة، يحتاج الاقتصاد بصورة مستمرة إلى مصادر خارجية لتأمين العملات الأجنبية التي تموّل فاتورة الاستيراد.
لكن المصادر نفسها تدعو إلى عدم قراءة ارتفاع الواردات بصورة سلبية تلقائية. فجزء من الزيادة قد يكون مرتبطاً بتحسن النشاط الاقتصادي وعودة الاستهلاك والاستثمار، أو باستيراد مواد أولية ومعدات وآلات تستخدم في الإنتاج. وفي هذه الحالة، يمكن أن تكون زيادة الواردات مقدمة لنمو اقتصادي لاحق.
فبحسب المصادر، تظهر المشكلة، عندما تتركز الزيادة في السلع الاستهلاكية، لأن ذلك يعني أن جزءاً من الطلب المحلي يتحول مباشرة إلى طلب على الاقتصاد الخارجي، بدلاً من أن يتحول إلى إنتاج محلي وفرص عمل وقيمة مضافة داخل لبنان.
الدولار في صلب المعادلة.
واقع يطرح سؤالا أساسيا: كيف سيموّل لبنان هذه الفجوة المتزايدة؟
علميا، مع ارتفاع الواردات وتراجع الصادرات، تزداد الحاجة إلى تدفقات العملات الأجنبية من مصادر أخرى، وفي مقدمتها تحويلات اللبنانيين في الخارج، والسياحة، والاستثمارات، إضافة إلى أي تدفقات مالية أو مساعدات خارجية، حيث تقول مصادر متابعة إن قدرة الاقتصاد على الاستمرار في تمويل فاتورة الاستيراد ستكون مرتبطة إلى حد كبير باستمرار هذه التدفقات.
وتوضح المصادر أن اتساع العجز التجاري لا يعني تلقائياً تعرض الليرة لضغط مباشر أو عودة سيناريوهات الانهيار النقدي السابقة، خصوصاً أن الوضع النقدي يختلف عن السنوات الأولى للأزمة، إلا أن استمرار الفجوة التجارية لفترات طويلة يبقى عاملاً ضاغطاً على ميزان المدفوعات وعلى قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية بصورة مستدامة.
لكن الأكثر أهمية، وفق المصادر الاقتصادية، هو أن هذه الأرقام تضع طبيعة التعافي اللبناني أمام اختبار حقيقي. فإذا كان تحسن النشاط الاقتصادي يقوم بصورة أساسية على الاستهلاك والاستيراد، فإن النمو سيكون أكثر هشاشة، لأنه يعتمد على أموال تأتي من الخارج لتمويل الطلب الداخلي.
أما التعافي المستدام فيفترض أن ينتقل الاقتصاد تدريجياً من نموذج يعتمد على الاستيراد إلى نموذج أكثر إنتاجية، قادر على زيادة الصادرات واستقطاب الاستثمارات وخلق فرص العمل.
عند هذه النقطة، تعود الإصلاحات إلى الواجهة: إعادة هيكلة القطاع المصرفي، معالجة الخسائر المالية، تحسين بيئة الأعمال، تخفيض كلفة الطاقة والإنتاج والنقل، وتوفير حوافز للقطاعات الصناعية والزراعية والخدمية القادرة على اختراق الأسواق الخارجية، إذ تشير المصادر إلى أن لبنان لا يستطيع معالجة العجز التجاري عبر خفض الواردات بشكل عشوائي، لأن ذلك قد يضر بالنشاط الاقتصادي والإنتاجي. المطلوب هو رفع القدرة التنافسية للإنتاج المحلي وزيادة الصادرات، بالتوازي مع إدارة الاستيراد بطريقة تخدم الاقتصاد وليس الاستهلاك فقط.
عليه، فإن أرقام النصف الأول من 2026 لا تعني أن التعافي الاقتصادي اللبناني قد تعثر، لكنها تكشف أنه لا يزال تعافياً هشاً وغير متوازن. فاقتصاد يستورد 10.1 مليارات دولار ويصدر 1.4 مليار فقط، يبقى بحاجة إلى تدفقات خارجية كبيرة لسد الفجوة.
لذلك، فان المعركة المقبلة لن تكون فقط حول تحقيق معدلات نمو أعلى، بل حول نوعية هذا النمو ومصادر تمويله. فلبنان يحتاج إلى اقتصاد ينتج أكثر، ويصدّر أكثر، ويستقطب الدولار من خلال العمل والاستثمار والإنتاج، لا إلى اقتصاد يستعيد نشاطه من خلال زيادة فاتورة الاستيراد.
معادلة ستكون، بحسب المصادر، أحد أبرز الاختبارات الفعلية لمدى قدرة لبنان على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة التعافي الاقتصادي المستدام.







