عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
تكشف الإحصاءات الصادرة عن مصرف لبنان، والتي حللتها وحدة الأبحاث الاقتصادية في بنك الاعتماد اللبناني، أن القطاع المصرفي لا يزال يعيش مرحلة انكماش بطيء ولكن مستمر، رغم الحديث المتزايد عن بداية تعافٍ اقتصادي نسبي خلال عام 2026.
فالقراءة المتأنية للميزانيات المجمعة للمصارف المقيمة حتى نهاية أيار 2026 تظهر أن المؤشرات الأساسية لا تزال تعكس اقتصاداً يفتقر إلى الثقة، وقطاعاً مصرفياً يركز على حماية ميزانياته أكثر من تمويل الاقتصاد الحقيقي، فيما تبقى الودائع تتراجع والتسليفات عند مستويات تاريخية متدنية.
تراجع الموجودات… استمرار الانكماش
بلغت موجودات القطاع المصرفي المقيم نحو 9,002.89 تريليون ليرة لبنانية مع نهاية أيار 2026، بانخفاض نسبته 1.67% منذ بداية العام، وبنسبة 1.55% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
ورغم أن نسبة الانخفاض تبدو محدودة، فإنها تؤكد استمرار تقلص حجم القطاع المصرفي للسنة السابعة على التوالي، بعد الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019 وأدت إلى انكماش غير مسبوق في النشاط المصرفي.
فالقطاع لم يعد ينمو من خلال جذب الودائع أو تمويل الاستثمار، بل بات يعمل ضمن دائرة مالية ضيقة تقتصر إلى حد كبير على إدارة السيولة والمحافظة على الموجودات.
الودائع تواصل النزيف… والثقة لم تعد بعد
تكشف الأرقام أن ودائع الزبائن انخفضت خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام بنحو 121.49 تريليون ليرة، لتتراجع إلى 7,750.19 تريليون ليرة.
أما على أساس سنوي، فقد بلغت قيمة التراجع حوالي 245.84 تريليون ليرة، أي ما يعادل انخفاضاً بنسبة 3.07% مقارنة بأيار 2025.
ولا يعكس هذا التراجع خروج الأموال من النظام المصرفي فحسب، بل يعبر أيضاً عن استمرار ضعف الثقة بالمصارف، إذ يفضّل كثير من المودعين الاحتفاظ بسيولتهم نقداً أو خارج لبنان، فيما يتجه آخرون إلى توظيف أموالهم في العقارات أو الذهب أو الاستثمارات الخارجية.
كما يُظهر توزيع الودائع استمرار تراجع ودائع القطاع الخاص المقيم، وهو ما يعكس استمرار استخدام المدخرات لتغطية نفقات المعيشة في ظل تباطؤ النشاط الاقتصادي وضعف الدخل الحقيقي.
الدولرة تقترب من 99%… الليرة خارج اللعبة
من أخطر المؤشرات التي تكشفها البيانات استمرار هيمنة الدولار على الجهاز المصرفي.
فقد بلغت نسبة الدولرة 98.76% من إجمالي الودائع، وهي من أعلى النسب المسجلة عالمياً.
وهذا يعني عملياً أن الليرة اللبنانية فقدت دورها التقليدي كوعاء للادخار، وأصبحت تستخدم بصورة شبه حصرية في العمليات اليومية، بينما يحتفظ اللبنانيون بمعظم مدخراتهم بالدولار.
وتؤكد هذه الأرقام أن استعادة الثقة بالعملة الوطنية لا تزال بعيدة المنال، وأن أي سياسة نقدية مستقبلية ستبقى مرتبطة بالدولار طالما لم تُنجز الإصلاحات المالية والنقدية المطلوبة.
التسليفات… الاقتصاد محروم من التمويل
إذا كانت الودائع تمثل الثقة، فإن التسليفات تمثل نبض الاقتصاد.
وهنا تبدو الصورة أكثر قتامة.
فمحفظة التسليفات الممنوحة للقطاع الخاص تراجعت إلى 463.84 تريليون ليرة، بانخفاض 5.71% على أساس سنوي.
أما نسبة التسليفات إلى الودائع فلم تتجاوز 5.98%، وهي من أدنى المستويات في تاريخ القطاع المصرفي اللبناني.
وللمقارنة، كانت هذه النسبة قبل الأزمة تتجاوز في كثير من الأحيان 70%، وهو ما يعكس الدور التقليدي للمصارف في تمويل الاقتصاد.
أما اليوم، فإن معظم الودائع لا تتحول إلى قروض إنتاجية أو استهلاكية، بل تبقى مجمدة أو توظف في أدوات منخفضة المخاطر، الأمر الذي يحرم الاقتصاد من التمويل اللازم للنمو والاستثمار.
لماذا لا تقرض المصارف؟
هناك عدة عوامل تفسر استمرار انكماش التسليفات.
أولها استمرار غياب قانون واضح لإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوزيع الخسائر.
وثانيها عدم وضوح مستقبل الودائع وآليات استردادها.
أما العامل الثالث فهو ارتفاع المخاطر الائتمانية، إذ تتردد المصارف في منح قروض جديدة في ظل اقتصاد لا يزال يعاني ضعف النمو، وارتفاع المخاطر السياسية والأمنية.
كما أن عدداً كبيراً من المصارف يركز حالياً على تحسين أوضاعه المالية وتعزيز رسملته بدلاً من التوسع في الإقراض.
ارتفاع الرساميل… مؤشر إيجابي ولكن
في المقابل، ارتفعت حسابات رأس المال إلى 446.67 تريليون ليرة، بزيادة تفوق 23% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويعكس ذلك استمرار المصارف في زيادة رساميلها امتثالاً لمتطلبات مصرف لبنان وتعزيز قدرتها على مواجهة المخاطر.
غير أن هذا التطور، رغم أهميته، لا يعني أن القطاع استعاد عافيته.
فالرسملة وحدها لا تكفي إذا بقي النشاط المصرفي الأساسي، أي جمع الودائع وتمويل الاقتصاد، شبه متوقف.
فالمصارف يمكن أن تصبح أكثر متانة من الناحية المحاسبية، لكنها تبقى عاجزة عن لعب دورها الاقتصادي إذا استمر شلل سوق الائتمان.
هل بدأ التعافي؟
تظهر بعض المؤشرات الشهرية تحسناً محدوداً في التسليفات بالليرة اللبنانية، إلا أن هذا التحسن يبقى محدود الأثر ولا يغير الاتجاه العام.
فالاقتصاد اللبناني لا يزال يعاني نقصاً كبيراً في التمويل، فيما يستمر نزف الودائع بوتيرة بطيئة، وتبقى الدولرة عند مستويات قياسية.
وبالتالي فإن الحديث عن تعافٍ مصرفي شامل يبدو سابقاً لأوانه.
الإصلاح هو المدخل الوحيد
إن استمرار هذه المؤشرات يعكس أن الأزمة المصرفية لم تُحل بعد، بل دخلت مرحلة من الاستقرار السلبي.
فالقطاع لم يعد يشهد الانهيارات الحادة التي ميزت السنوات الأولى للأزمة، لكنه أيضاً لم يبدأ بعد مسار التعافي الحقيقي.
ولا يمكن إعادة تنشيط الدورة المصرفية من دون خطة إصلاح متكاملة تشمل إعادة هيكلة المصارف، وإقرار قانون عادل لمعالجة الودائع، وإصلاح المالية العامة، واستكمال الاتفاق مع صندوق النقد الدولي International Monetary Fund، بما يسمح باستعادة الثقة المحلية والدولية.
حتى ذلك الحين، ستبقى المصارف اللبنانية تدير ميزانيات منكمشة، وودائع تتآكل، وتسليفات محدودة، فيما يواصل الاقتصاد العمل بأقل من نصف طاقته التمويلية، الأمر الذي يحد من فرص النمو ويؤخر عودة الاستثمار والإنتاج







