ناجي الخوري
في منطقة تُعدّ من أكثر مناطق العالم ترابطًا بين السياسة والاقتصاد، لا يمكن لأي تصعيد عسكري تقوده إيران أن يبقى محصورًا في إطاره الأمني أو العسكري الضيق، بل سرعان ما يتمدّد ليطال بنية الاقتصاد الإقليمي بأكملها، وعلى رأسه اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي التي قامت تاريخيًا على توازن دقيق بين الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي.
فهذه الدول لم تبنِ ثرواتها فقط على وفرة الموارد الطبيعية، بل على قدرتها في تحويل موقعها الجغرافي إلى نقطة ارتكاز في منظومة التجارة والطاقة العالمية، ما جعلها لاعبًا محوريًا في معادلات العرض والطلب، وفي رسم اتجاهات الأسواق الدولية.
غير أن هذا التوازن، الذي صمد لعقود رغم الأزمات، يواجه اليوم اختبارًا غير مسبوق في ظل المواجهة المفتوحة مع إيران حتى الساعة، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز حدود الجغرافيا إلى عمق النظام الاقتصادي العالمي. فمجرد إغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة فيه، كفيل بإدخال الأسواق في حالة من القلق الحاد، نظرًا لكون هذا الممر يشكّل شريانًا حيويًا تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية.
من هنا، يتحول الخليج من منطقة استقرار نسبي يعتمد عليها العالم في تأمين احتياجاته من الطاقة، إلى بؤرة توتر تهدد بتعطيل واحدة من أهم حلقات الاقتصاد الدولي.
في هذا السياق، تبرز مفارقة أساسية تحكم المشهد: فبينما قد تحقق دول الخليج مكاسب مالية سريعة نتيجة ارتفاع أسعار النفط في ظل التوترات، إلا أن هذه المكاسب تبقى محاطة بجملة من المخاطر الاستراتيجية التي قد تقوّض أسس النمو على المدى المتوسط والطويل، فاستمرار حالة عدم اليقين يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر المنطقة، ويحفّز الاقتصادات الكبرى على تسريع خطط التحول نحو مصادر طاقة بديلة، ما يضع دول الخليج أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على دورها كمزوّد رئيسي للطاقة، وفي الوقت نفسه تسريع مسارات التنويع الاقتصادي التي لم تكتمل بعد.
الأخطر من ذلك، أن الحرب مع إيران لن تعيد فقط تشكيل أسواق الطاقة، بل ستعيد رسم خريطة التدفقات المالية والتجارية في المنطقة. فالمراكز الاقتصادية الكبرى مثل دبي والرياض، التي نجحت في ترسيخ مكانتها كمحاور إقليمية للاستثمار والخدمات، قد تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع المخاطر الأمنية، ما قد يدفع جزءًا من رؤوس الأموال إلى البحث عن ملاذات أكثر استقرارًا خارج المنطقة.
في المقابل، قد تجد بعض الاقتصادات الخليجية نفسها مضطرة لإعادة توجيه أولوياتها من مشاريع التنمية طويلة الأجل إلى تعزيز الإنفاق الدفاعي والأمني، في تحوّل يعكس انتقال الاقتصاد من منطق “التوسع والنمو” إلى منطق “التحصين وإدارة الأزمات”.
تحول لا يقتصر تأثيره على المؤشرات الاقتصادية الكبرى، بل يمتد إلى عمق المجتمعات الخليجية نفسها، حيث يقوم العقد الاجتماعي على توفير مستويات عالية من الرفاه والاستقرار مقابل الحفاظ على التوازن السياسي. فمع تصاعد التوترات، قد تواجه الحكومات تحديات إضافية في إدارة التضخم، وضبط الإنفاق، والحفاظ على ثقة الأسواق والمواطنين على حد سواء، ما يجعل من الحرب اختبارًا شاملًا ليس فقط لصلابة الاقتصاد، بل لمرونة النموذج التنموي الخليجي بأكمله.
من هنا، يمكن القول أن المواجهة القائمة مع إيران لن تكون مجرد حدث عابر في سجل الأزمات الإقليمية، بل محطة مفصلية قد تعيد تعريف دور الخليج في الاقتصاد العالمي. فإما أن تنجح هذه الدول في تحويل التحدي إلى فرصة عبر تسريع إصلاحاتها وتعزيز تنويعها الاقتصادي، أو أن تجد نفسها أمام واقع جديد تتراجع فيه أهميتها النسبية في ظل تحولات عالمية متسارعة.
وبين هذين المسارين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة دول الخليج على إدارة التوازن بين الأمن والاقتصاد، وبين ضرورات الحاضر واستحقاقات المستقبل، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المنطقة الحديث.







