ناجي الخوري
في كل مرة يعتقد فيها لبنان أنه بات قريباً من وضع حد لأزماته المالية والاقتصادية المتراكمة، تأتي التطورات السياسية والأمنية لتعيد خلط الأوراق وتفرض وقائع جديدة أكثر تعقيداً. فمنذ اندلاع الانهيار المالي عام 2019، انصبّ اهتمام الحكومات المتعاقبة على كيفية التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي باعتباره البوابة الإلزامية لأي عملية إنقاذ اقتصادي أو استعادة للثقة الدولية.
فعلى مدى سنوات، دارت مفاوضات طويلة وشاقة حول الإصلاحات المطلوبة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتوزيع الخسائر، وإصلاح المالية العامة، وتحديث الإدارة الضريبية، ووضع مسار تدريجي لاستعادة التوازن المالي. إلا أن الحرب الأخيرة التي شهدها لبنان لم تقتصر تداعياتها على الجانب الأمني أو الإنساني فحسب، بل امتدت لتضرب الأسس التي قامت عليها كل الحسابات الاقتصادية والمالية التي كانت موضع نقاش بين الدولة اللبنانية وصندوق النقد.
كلام يكتسب اهمية استثنائية، مع صدوره عن احد مدراء صندوق النقد الدولي، لأنه لا يتحدث عن تعديل محدود في بعض المؤشرات أو عن مراجعة تقنية لبعض الأرقام، بل يشير بصورة واضحة إلى أن العمل الذي أُنجز خلال المرحلة الماضية أصبح غير صالح للاستناد إليه في ظل المتغيرات الجديدة التي فرضتها الحرب. توصيف لا يحمل بعداً إجرائياً فحسب، بل يعكس إدراكاً دولياً بأن لبنان دخل فعلياً مرحلة اقتصادية جديدة تختلف في طبيعتها وتحدياتها عن المرحلة التي أعقبت الانهيار المالي مباشرة.
فالخطط التي كانت مطروحة قبل الثاني من آذار 2026 استندت إلى مجموعة من الفرضيات المتعلقة بحجم الاقتصاد اللبناني، وقدرة الدولة على تحصيل الإيرادات، ومستوى الإنفاق العام، ومسار النمو المتوقع، إضافة إلى تقديرات معينة لحجم الخسائر في القطاع المالي. لكن الحرب الأخيرة نسفت جزءاً كبيراً من هذه الفرضيات، بعدما ألحقت أضراراً مباشرة بالبنية التحتية والمرافق الاقتصادية، وأدت إلى تعطيل قطاعات إنتاجية وخدمية أساسية، وأثرت على حركة الاستثمار والتجارة والسياحة، ما انعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة المالية وعلى آفاق الاقتصاد ككل.
من هنا، لم يعد السؤال الأساسي المطروح أمام الحكومة اللبنانية يتعلق فقط بكيفية تنفيذ الإصلاحات التي كان يطالب بها صندوق النقد، بل بكيفية إعادة صياغة الرؤية الاقتصادية للدولة في مرحلة ما بعد الحرب. فالأولوية لم تعد تقتصر على معالجة آثار الانهيار المالي والنقدي، وإنما أصبحت تشمل أيضاً إعادة إعمار ما تضرر، وتأمين الموارد اللازمة لإعادة تحريك الاقتصاد، وتوفير شبكات حماية اجتماعية للفئات المتضررة، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات العامة والقطاع الخاص في آن واحد.
تاريخياً، غالباً ما واجهت الدول الخارجة من الحروب تحدياً مزدوجاً يتمثل في ضرورة تحقيق الاستقرار المالي من جهة، وتأمين متطلبات إعادة الإعمار من جهة أخرى. وهذا التحدي يفرض على الحكومات اعتماد سياسات مختلفة عن تلك التي تُعتمد في الظروف العادية. فالتشدد المالي المفرط قد يعرقل عملية التعافي الاقتصادي، بينما يؤدي الإنفاق غير المنضبط إلى تفاقم الاختلالات المالية والنقدية.
من هنا تبرز أهمية إعادة رسم مسار المالية العامة اللبنانية وفق مقاربة جديدة تأخذ في الاعتبار التوازن الدقيق بين الحاجة إلى الإنفاق الاستثماري والاجتماعي وبين ضرورة الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالي.
كما أن إعادة صياغة العلاقة مع صندوق النقد الدولي لن تكون مسألة تقنية محضة، بل ستتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. فالمجتمع الدولي الذي كان ينظر إلى الأزمة اللبنانية باعتبارها أزمة ناتجة عن سوء الإدارة والفساد والاختلالات البنيوية، بات اليوم مضطراً إلى التعامل أيضاً مع تداعيات حرب واسعة النطاق وما خلفته من أعباء إضافية.
امر قد يفتح المجال أمام مقاربات أكثر مرونة من جانب المؤسسات الدولية والدول المانحة، لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى التوقعات تجاه الدولة اللبنانية لجهة تقديم رؤية واضحة وشفافة وقابلة للتنفيذ.
انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن لبنان يقف اليوم أمام مفترق اقتصادي حاسم. فالحرب لم تؤد فقط إلى زيادة حجم الخسائر، بل أعادت تعريف طبيعة الأزمة نفسها. وما كان مطروحاً قبل أشهر لم يعد كافياً للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي فرضها الواقع المستجد.
لذلك فإن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد استكمال لمسار تفاوضي بدأ في السنوات الماضية، بل ستكون بمثابة عملية تأسيس جديدة لبرنامج اقتصادي ومالي مختلف، يأخذ في الاعتبار حقائق ما بعد الحرب ومتطلبات إعادة الإعمار وإعادة بناء الدولة.
عليه، تبدو إعادة رسم مسار المالية العامة اللبنانية ليس خياراً سياسياً أو اقتصادياً فحسب، بل ضرورة وجودية تحدد إلى حد كبير قدرة لبنان على الخروج من أزمته المركبة واستعادة موقعه على خريطة الاقتصاد الإقليمي والدولي.







