ناجي الخوري
في عالم الاقتصاد السياسي، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من ثروات، بل بقدرتها على السيطرة الفعلية عليها، ومنها، تبرز قضية الذهب باعتبارها واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بمفهوم السيادة. فالذهب ليس مجرد أصل مالي أو احتياطي نقدي، بل هو “ضمانة استراتيجية” تستخدمها الدول في لحظات الانهيار والحروب والعقوبات. فالسؤال الأساسي اليوم لم يعد: كم تملك الدولة من الذهب؟ بل: أين تخزّنه؟ ومن يملك القدرة على التحكم بالوصول إليه عند الأزمات؟
تاريخيًا، اعتُبر تخزين الذهب في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو سويسرا خيارًا طبيعيًا، لأن هذه الدول شكلت مراكز النظام المالي العالمي لعقود طويلة. وكانت المصارف المركزية ترى أن وجود الذهب في نيويورك أو لندن يسهّل عمليات التداول والرهن والتسييل، كما يمنحه حماية في حال اندلاع اضطرابات داخلية في بلدانها الأصلية. لكن التحولات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة غيّرت هذه النظرة جذريًا.
مع دخول العالم مرحلة جديدة أصبحت فيها الأدوات المالية جزءًا من الحروب السياسية، كشفت العقوبات الأميركية والغربية على روسيا وإيران وفنزويلا، أن الأصول الموجودة خارج الحدود الوطنية يمكن أن تتحول إلى رهائن سياسية. فالدولة التي تخزن ذهبها في الخارج تبقى خاضعة، بشكل أو بآخر، لقرار الدولة المضيفة، مهما كانت الضمانات القانونية القائمة.
التجربة الفنزويلية كانت نموذجًا واضحا على ذلك. فعندما طلبت كاراكاس استعادة جزء من ذهبها المخزن في بنك إنغلترا، رفضت لندن تسليمه بسبب الخلاف حول الاعتراف السياسي بالسلطة الحاكمة. يومها، اكتشفت فنزويلا أن ملكية الذهب لا تعني القدرة على استخدامه. فالسيطرة الجغرافية على الذهب أصبحت جزءًا من مفهوم السيادة الوطنية.
بدورها، فهمت روسيا هذه المعادلة مبكرًا. فمنذ عام 2014، وبعد بدء التوتر مع الغرب، عملت موسكو على إعادة جزء كبير من احتياطاتها الذهبية إلى الداخل الروسي، ورفعت بشكل متسارع مشترياتها من الذهب بالتوازي مع تقليص اعتمادها على الدولار الأميركي. وعندما اندلعت الحرب الأوكرانية وتعرضت روسيا لعقوبات غير مسبوقة، بدا واضحًا أن الذهب المخزن محليًا شكّل عنصر أمان استراتيجي ضمن معركة الصمود الاقتصادي.
هذا التحول العالمي يعكس حقيقة أعمق: الذهب عاد ليؤدي دور “العملة السيادية الأخيرة”. ففي عالم يمكن فيه تجميد الأصول الرقمية والتحكم بأنظمة الدفع العالمية وفرض العقوبات على التحويلات المالية، يبقى الذهب المادي أصلًا يصعب السيطرة عليه إذا كان موجودًا داخل حدود الدولة.
بالنسبة للبنان، تكتسب هذه المسألة حساسية استثنائية. فلبنان يمتلك أحد أكبر احتياطات الذهب في المنطقة العربية، إذ تُقدّر احتياطاته بأكثر من 286 طنًا. وعلى الرغم من الانهيار المالي والنقدي الذي ضرب البلاد منذ عام 2019، بقي الذهب اللبناني بمثابة الضمانة الأخيرة للدولة اللبنانية، أو ما تبقى من عناصر الثقة بها.
لكن أهمية الذهب اللبناني لا ترتبط فقط بحجمه، بل أيضًا بمكان تخزينه. فجزء من الاحتياطي موجود داخل لبنان في خزائن مصرف لبنان، بينما يوجد جزء آخر في الولايات المتحدة، ضمن منظومة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. تاريخيًا، اعتُبر ذلك عامل أمان، خصوصًا خلال الحرب الأهلية، إذ رأت السلطات اللبنانية أن الاحتفاظ بجزء من الذهب في الخارج يحميه من أي فوضى داخلية أو استيلاء محتمل.
غير أن الظروف الدولية الحالية غيّرت طبيعة المخاطر. ففي عالم يشهد تصاعدًا للصراعات المالية والعقوبات، يبرز سؤال أساسي: ماذا لو دخل لبنان في مواجهة سياسية أو مالية مع القوى الغربية؟ وهل يبقى الذهب الخارجي متاحًا للبنان بشكل كامل في كل الظروف؟
سؤال ليس نظريًا فقط، بل يرتبط مباشرة بمستقبل لبنان الاقتصادي والسياسي. فالذهب اليوم يمثل آخر احتياطي سيادي فعلي بعد تبخر القسم الأكبر من احتياطات العملات الأجنبية وانهيار القطاع المصرفي. وبالتالي، فإن أي نقاش حوله يتحول تلقائيًا إلى نقاش حول الأمن القومي والسيادة الاقتصادية.
في المقابل، هناك من يرى أن وجود جزء من الذهب اللبناني خارج البلاد يشكل أيضًا نوعًا من الحماية من الداخل، أي من احتمال استخدامه أو بيعه تحت ضغط الانهيار المالي أو التجاذبات السياسية. وهذا يعكس معضلة لبنانية معقدة: انعدام الثقة لا يقتصر على الخارج، بل يشمل الداخل أيضًا.
الأخطر أن لبنان يقف اليوم عند تقاطع تحولات إقليمية ودولية كبرى: صراع أميركي – صيني على النفوذ، إعادة رسم خرائط الطاقة، وتراجع تدريجي لهيمنة الدولار مقابل صعود التكتلات المالية الجديدة. في مثل هذه البيئة، يتحول الذهب إلى عنصر قوة استراتيجي لا مجرد احتياطي مالي.
عليه، لم يعد الذهب مجرد سبائك محفوظة في خزائن مغلقة، بل أصبح أداة سيادة ومصدر قوة في عالم مضطرب. فالدولة التي لا تسيطر بالكامل على ذهبها، تبقى سيادتها الاقتصادية ناقصة مهما بلغ حجم احتياطاتها. أما في الحالة اللبنانية، فإن النقاش حول مكان تخزين الذهب يعكس أزمة أعمق: أزمة الثقة بالدولة، والخوف من الخارج، والخوف من الداخل في آن واحد.







