لم تعد السيارات الصينية في الشرق الأوسط مجرد خيار منخفض التكلفة، بل أصبحت من أسرع القطاعات نموًا في سوق السيارات بالمنطقة، مدعومة بالتكنولوجيا المتقدمة والأسعار التنافسية والتوسع في السيارات الكهربائية والهجينة.
يأتي ذلك مع ترسيخ الصين مكانتها كأكبر مُصدر ومنتج للسيارات عالميًا، واستحواذها على أكثر من نصف سوق مركبات الطاقة الجديدة (NEVs) في العالم.
وأصبح الشرق الأوسط ثاني أكبر سوق خارجية للسيارات الصينية في عام 2025 بعد أميركا اللاتينية، إذ استوردت دول المنطقة نحو 1.39 مليون سيارة من إجمالي صادرات الصين البالغة 8.32 مليون سيارة خلال عام 2025، بما يمثل نحو 16.7% من إجمالي الصادرات، أو ما يقارب سدسها، بقيادة الإمارات التي جاءت ثالث أكبر مستورد عالميًا، والسعودية التي حلت في المركز السادس.
ووفقًا لشركة AlixPartners، تحول الشرق الأوسط، إلى جانب روسيا، إلى أحد أبرز محركات نمو صادرات السيارات الصينية بعد تجاوزهما معًا أوروبا وأميركا الشمالية في واردات السيارات الصينية لأول مرة خلال عام 2024، وتوقع ارتفاع حصة العلامات التجارية الصينية في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا إلى 34% بحلول 2030.
أين تُباع السيارات الصينية؟ ومن يقود المبيعات؟
أظهرت البيانات الرسمية أن صادرات الصين سجلت مستوىً قياسيًا بلغ 8.32 مليون سيارة خلال عام 2025، بزيادة سنوية قدرها 30%، قبل أن ترتفع إلى 4.24 مليون سيارة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 بنمو 49% على أساس سنوي.
كما استحوذت الصين على نحو 31% من مبيعات السيارات العالمية في أوائل عام 2026، لكنها انتعشت في مايو إلى 32.2%، وحافظت في الوقت نفسه على مكانتها كأكبر منتج للسيارات عالميًا بحصة بلغت 36% من الإنتاج العالمي خلال عام 2025، وفقًا لبيانات الجمعية الصينية لسيارات الركاب (CPCA).
أكبر 10 أسواق استيرادًا للسيارات الصينية خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026
- البرازيل: 385.8 ألف سيارة
- روسيا: 364.7 ألف سيارة
- المملكة المتحدة: 194.2 ألف سيارة
- أستراليا: 178.6 ألف سيارة
- المكسيك: 165 ألف سيارة
- بلجيكا: 162.8 ألف سيارة
- إيطاليا: 130.1 ألف سيارة
- الإمارات العربية المتحدة: 129.1 ألف سيارة
- الجزائر: 109.6 ألف سيارة
- تايلاند: 106.2 ألف سيارة
وكانت مركبات الطاقة الجديدة (NEVs)، وتشمل السيارات الكهربائية بالكامل، والسيارات الهجينة القابلة للشحن (PHEV)، كما السيارات الهجينة التقليدية، المحرك الرئيسي لنمو صناعة السيارات الصينية، إذ استحوذت الصين على 62% من سوق سيارات الركاب العاملة بالطاقة الجديدة عالميًا خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، بعدما بلغت حصتها 68.3% خلال عام 2025.
وشكلت مركبات الطاقة الجديدة 62.8% من إجمالي مبيعات سيارات الركاب في الصين خلال يونيو/حزيران 2026، فيما بلغت حصتها من صادرات سيارات الركاب 56.9%، وهو أعلى مستوى مسجل على الإطلاق، بحسب أحدث بيانات الجمعية الصينية لسيارات الركاب (CPCA).
أكبر 10 علامات مبيعًا في سيارات الركاب العاملة بالطاقة الجديدة (مبيعات الجملة – يونيو/حزيران 2026):
- بي واي دي (BYD): 397.3 ألف سيارة.
- جيلي (Geely): 158.8 ألف سيارة.
- شيري (Chery): 106.9 ألف سيارة.
- ليب موتور (Leapmotor): 93.4 ألف سيارة.
- تسلا الصين (Tesla China): 89.1 ألف سيارة.
- شانجان (Changan): 72.2 ألف سيارة.
- سايك – وولينغ (SAIC-GM-Wuling): 69.1 ألف سيارة.
- سايك للركاب (SAIC Passenger Vehicle): 65.2 ألف سيارة.
- نيو (NIO): 40.6 ألف سيارة.
- إكس بينغ (XPeng): 40.1 ألف سيارة.
الشرق الأوسط يقود توسع السيارات الصينية
كانت الإمارات العربية المتحدة والسعودية من أبرز أسواق السيارات الصينية في الشرق الأوسط خلال عام 2025، إذ احتلت الأولى المركز الثالث عالميًا بين أكبر مستوردي السيارات الصينية بإجمالي 571.9 ألف سيارة، فيما جاءت السعودية في المركز السادس بنحو 302.2 ألف سيارة. وخلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، حافظت الإمارات على حضورها ضمن أكبر الأسواق المستوردة، بعدما حلت في المرتبة الثامنة عالميًا بإجمالي 129 ألف سيارة.
وأشارت الجمعية الصينية لسيارات الركاب إلى أن التوترات الإقليمية أثرت على بعض أسواق الشرق الأوسط خلال مايو/أيار، إذ انخفضت الصادرات إلى الإمارات بنسبة 80% وإلى السعودية بنسبة 57% على أساس سنوي، رغم استمرار نمو الطلب على مركبات الطاقة الجديدة في المنطقة، مدفوعًا بالسيارات الهجينة القابلة للشحن والهجينة التقليدية، اللتين أصبحتا المحرك الرئيسي لنمو الصادرات بدلًا من السيارات الكهربائية بالكامل.
وفي مصر، عززت السيارات الصينية حضورها بوتيرة متسارعة، إذ أظهرت بيانات مجلس معلومات سوق السيارات (أميك) أن العلامات الصينية تصدرت مبيعات سيارات الركاب خلال عام 2025 بإجمالي 50.7 ألف سيارة، مستحوذة على نحو 38% من السوق، بزيادة 67% مقارنة بعام 2024. كما جاءت شيري-غبور وMG في المركزين الثاني والثالث بين أكثر العلامات التجارية مبيعًا، مدعومتين بتوسع التجميع المحلي وتحسن توافر السيارات وقطع الغيار.
وتتوافق هذه المؤشرات مع تقديرات وكالة الطاقة الدولية (IEA) وS&P Global Mobility، اللتين تتوقعان استمرار نمو مبيعات السيارات الكهربائية عالميًا، بالتزامن مع تسارع توسع شركات السيارات الصينية في الأسواق الخارجية، ولا سيما الشرق الأوسط، في ظل تباطؤ الطلب داخل السوق الصينية.
التكنولوجيا ومعايير الأمان
قال خبير صناعة السيارات جمال عسكر إن الشرق الأوسط أصبح أحد أهم أسواق السيارات الصينية، بعدما تحول إلى وجهة رئيسية للصادرات الصينية في ظل تباطؤ نمو بعض الأسواق الغربية.
وأضاف أن العلامات الصينية نجحت في كسر هيمنة شركات مثل تويوتا في فئة السيارات الاقتصادية، مستفيدة من الأسعار التنافسية والتطور التقني.
وأوضح عسكر أن نجاح الشركات الصينية لا يرتبط بالسعر فقط، بل باستثمارات ضخمة في البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا، ما مكنها من تقديم سيارات بتجهيزات متقدمة وأسعار تقل بنحو 35% عن بعض الطرازات المنافسة.
ويتماشى ذلك مع بيانات الجمعية التي أظهرت نمو صادرات مركبات الطاقة الجديدة بنسبة 61% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 لتصل إلى 1.89 مليون مركبة، مدفوعة بالسيارات الهجينة القابلة للشحن والهجينة التقليدية.
وأضاف عسكر أن الشركات الصينية عززت أيضًا معايير الأمان وخدمات ما بعد البيع، من خلال الاستثمار في اختبارات التصادم وتوفير قطع الغيار وشبكات الصيانة، بينما أسهم الإنتاج الضخم في خفض التكاليف، إذ بلغ إنتاج الصين نحو 32 مليون سيارة خلال عام 2025، بينها 15 مليون سيارة كهربائية وهجينة، مع توقعات بارتفاع الإنتاج إلى 35-36 مليون سيارة خلال الفترة المقبلة.
ورجح عسكر في تصريحات لـ فوربس، استمرار توسع العلامات الصينية في المنطقة، متوقعًا استحواذها على 75% إلى 85% من سوق السيارات في الدول العربية خلال خمس سنوات إذا استمرت وتيرة النمو الحالية، مشيرًا إلى أن هذا التوسع يعتمد على الإنتاج واسع النطاق، والاستثمار المستمر في البحث والتطوير، وكفاءة سلاسل الإمداد، والقدرة على تطوير سيارات تتناسب مع احتياجات المستهلكين في أسواق الشرق الأوسط.
حصل عدد متزايد من الطرازات الكهربائية والهجينة للشركات الصينية على تصنيفات خمس نجوم في اختبارات السلامة، بينما واصلت شركات مثل BYD وGeely وZeekr الاستثمار في مراكز أبحاث السلامة واختبارات التصادم.
كما افتتحت Geely أواخر عام 2025 مركزًا جديدًا لاختبارات السلامة باستثمارات بلغت 284 مليون دولار. ومع ذلك، لا تزال بعض الطرازات الحديثة تفتقر إلى تقييمات مستقلة من هيئات مثل Euro NCAP وANCAP، ما يجعل مستوى الأمان يختلف من طراز لآخر وليس من بلد المنشأ.
وذكرت شركة AlixPartners للأبحاث في مذكرة حديثة، أن الميزة التنافسية الأكبر لشركات السيارات الصينية تتمثل في تقليص دورة تطوير السيارات الجديدة إلى نحو 18 شهرًا، مقارنة بأكثر من أربع سنوات لدى العديد من الشركات التقليدية، بفضل الاعتماد المكثف على التصميم الرقمي والذكاء الاصطناعي والتصنيع الداخلي للمكونات، وهو ما خفّض التكاليف وسرّع إطلاق الطرازات الجديدة.
وقال ماثيو أفيري، مدير التطوير الاستراتيجي في Euro NCAP، إن التصور التقليدي بأن السيارات الصينية أقل جودة أو أمانًا “لم يعد صحيحًا”، مؤكدًا أن عددًا متزايدًا من الطرازات الصينية الحديثة يحقق أعلى تصنيفات السلامة الأوروبية، وأن أداء بعضها أصبح “أفضل من غيره”. بحسب رويترز.
كيف ترسخ الصين وجودها في الشرق الأوسط؟
لم يعد توسع شركات السيارات الصينية قائمًا على المنافسة السعرية فقط، بل تحول إلى استراتيجية طويلة الأجل تعتمد على تطوير التكنولوجيا، ورفع معايير الجودة والأمان، والتوسع في التصنيع المحلي والشراكات الصناعية داخل أسواق الشرق الأوسط.
وبالتزامن مع نمو الصادرات، اتجهت شركات السيارات إلى ترسيخ وجودها الصناعي في الشرق الأوسط عبر التصنيع المحلي والشراكات الاستراتيجية. ففي السعودية، وقّعت شركة سير (Ceer)، المشروع المشترك بين صندوق الاستثمارات العامة السعودي وشركة فوكسكون التايوانية، خلال العام الجاري اتفاقيات بقيمة 3.7 مليار ريال سعودي (985.6 مليون دولار)، استكمالًا لاتفاقيات بقيمة 5.5 مليار ريال (1.5 مليار دولار) أُبرمت في عام 2025، بهدف توطين صناعة السيارات الكهربائية وتطوير سلاسل الإمداد وزيادة المحتوى المحلي.
وفي الإمارات، دخلت علامة Aito التابعة لشركة Seres والمدعومة من Huawei أسواق الشرق الأوسط عبر شراكة مع Performance Plus Motors التابعة لـ أبوظبي موتورز لتقديم خدمات البيع وما بعد البيع، فيما واصلت الشركات الصينية في مصر، مثل جيلي وجيتور وشيري، توسيع عمليات التجميع والإنتاج المحلي، مستفيدة من الحوافز الحكومية لتوطين صناعة السيارات وزيادة المكون المحلي.
وفي مصر، واصلت الشركات الصينية توسيع التصنيع المحلي، إذ بدأت جيلي الإنتاج داخل مصنع أوتو موبيليتي بمدينة السادس من أكتوبر، بينما وسعت شيري عمليات التجميع عبر مصنع غبور، وأعلنت جيتور بدء الإنتاج المحلي بالتعاون مع مجموعة القصراوي، مستفيدة من الحوافز الحكومية الهادفة إلى توطين صناعة السيارات وزيادة المكون المحلي.
ويعكس هذا التحول انتقال الشركات الصينية من نموذج يعتمد على التصدير إلى استراتيجية تقوم على التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتوطين سلاسل الإمداد، وتوسيع خدمات ما بعد البيع، بما يعزز حضورها في الشرق الأوسط ويجعل المنطقة إحدى أهم ساحات المنافسة العالمية في صناعة السيارات.





