تشير تقديرات شركة أبحاث السوق Grand View Research إلى أن قيمة سوق السياحة الفضائية العالمية بلغت نحو 1.8 مليار دولار في 2026، مع توقعات بأن تتجاوز 10.08 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعة بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 41.5%، في ظل التطورات المتسارعة في تقنيات الإطلاق وإعادة استخدام الصواريخ، وارتفاع الطلب على الرحلات التجارية إلى الفضاء.
ورغم التقدم التقني، ما زال ارتفاع تكلفة الرحلات يمثل أكبر تحدٍ أمام انتشار السياحة الفضائية على نطاق واسع، إذ أعادت شركة السياحة الفضائية الأميركية فيرجن غالاكتيك Virgin Galactic، المتخصصة في تنظيم الرحلات الفضائية شبه المدارية، فتح باب بيع التذاكر لمجموعة من حجوزات رحلات الفضاء بسعر أساسي قدره 750 ألف دولار للمقعد الواحد. في حين كشفت في تقريرها السنوي المقدم إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) نهاية 2025 عن امتلاكها نحو 675 حجزًا لرحلات مستقبلية، تمثل إيرادات متوقعة تقارب 188 مليون دولار.
أنواع رحلات السياحة الفضائية
تتنوع الوسائل التي تستخدمها الشركات للوصول إلى الارتفاعات الشاهقة، من المناطيد إلى الصواريخ، وهو ما أدى إلى اختلاف واضح في التجارب الفاخرة المُقدمة من كل جهة، ولكن يُمكن تقسيم السياحة الفضائية من حيث الارتفاع إلى نوعين رئيسيين: مدارية وشبة مدارية.
ويظهر تعريف الرحلات المدارية في إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية بأنها رحلات تصل فيها المركبة الفضائية إلى سرعة كافية للدوران حول الأرض، ما يتيح البقاء في المدار لعدة أيام أو أسابيع، مع إمكانية الوصول إلى وجهات مثل محطة الفضاء الدولية. وهي رحلات تستهدفها شركات مثل سبيس إكس التي نظمت في 2021 مهمة Inspiration4، أول رحلة مدارية في التاريخ بطاقم مدني بالكامل، استمرت 3 أيام في مدار حول الأرض، شارك فيها 4 أفراد بقيادة رجل الأعمال جاريد إيزاكمان، مؤسس شركة Shift4 Payments. ونجحت الرحلة في جمع أكثر من 240 مليون دولار لصالح مستشفى St. Jude Children’s Research Hospital.
أما الرحلات شبه المدارية فتعرفها الإدارة بأنها رحلات تصل إلى الفضاء أو حافته، لكنها لا تحقق السرعة اللازمة للدوران حول الأرض، لذلك تعود المركبة إلى الأرض بعد تجربة قصيرة تشمل عادةً بضع دقائق من انعدام الجاذبية ومشاهدة الأرض من ارتفاع شاهق.
وتستحوذ الرحلات شبه المدارية على الحصة الأكبر من السوق، بنسبة 48.5% خلال 2023 وبمعدل نمو سنوي متوقع 44.4% حتى 2030، وفقًا لـ Grand View Research التي أرجعت ارتفاع حصة الرحلات شبه المدارية داخل القطاع إلى انخفاض تكاليف تشغيلها مقارنة بالرحلات المدارية، بفضل إمكانية إعادة استخدام الصواريخ، إلى جانب منحها الركاب تجربة انعدام الجاذبية ومشاهدة الأرض من حافة الفضاء.
إجراءات ما قبل السفر إلى الفضاء
تشترط شركات مثل فيرجين غالاكتيك اجتياز تقييمات وفحوصات طبية للتأكد من قدرة الركاب على تحمل قوى التسارع (G-Force)، والتغيرات السريعة في الضغط، والآثار المؤقتة لانعدام الجاذبية. كما تُقيّم الحالة الصحية العامة للركاب للتأكد من عدم وجود أمراض قد تزيد من مخاطر الرحلة، مثل بعض أمراض القلب أو الجهاز التنفسي أو الاضطرابات العصبية.
ولا تقتصر المتطلبات على الفحوصات الطبية، إذ يخضع الركاب أيضًا لبرامج تدريبية تسبق الإطلاق تختلف مدتها وفقًا لنوع الرحلة. ففي الرحلات شبه المدارية التي تقدمها بلو أوريجن وفيرجين غالاكتيك، تمتد التدريبات عادةً من يوم إلى عدة أيام، وتشمل إجراءات السلامة، ووضعيات تحمل التسارع، والتعامل مع فترات انعدام الجاذبية القصيرة. أما الرحلات المدارية، مثل تلك التي تنظمها Axiom Space إلى محطة الفضاء الدولية، فقد تمتد الاستعدادات لها عدة أشهر، وتتضمن تدريبات مكثفة على إجراءات الطوارئ، والتكيف مع بيئة المحطة الفضائية، واستخدام الأنظمة والمعدات الأساسية.
أبرز شركات السياحة الفضائية:
شركة Space Perspective
نوع الرحلات: الارتفاع بالمنطاد حتى 30 كم فوق مستوى سطح البحر
قيمة التذكرة: 125 ألف دولار.

تسعى شركة Space Perspective إلى تقديم نموذج مختلف للسياحة الفضائية، إذ تعتمد على منطاد عملاق SpaceBalloon يحمل كبسولة مضغوطة Spaceship Neptune إلى ارتفاع يقارب 30 كيلومترًا، ما يمنح الركاب إطلالة على انحناء الأرض في رحلة تمتد لنحو 6 ساعات دون استخدام الصواريخ أو التعرض لقوى تسارع كبيرة. وتبلغ تكلفة المقعد 125 ألف دولار، فيما أعلنت الشركة بيع أكثر من 1,800 تذكرة في أحدث بياناتها خلال سبتمبر/أيلول 2024. وتستهدف الشركة بدء تشغيل الرحلات التجارية خلال هذا العام.
وخلال عامي 2023 و2024، حققت الشركة عدة محطات مهمة، شملت استكمال الهيكل الأول لكبسولة Spaceship Neptune، والكشف عن أول صور للمركبة، ثم تصنيع أول كبسولة اختبار جاهزة للطيران، قبل أن تنجح في سبتمبر/أيلول 2024 في تنفيذ ثاني رحلة غير مأهولة للمركبة من منصة الإطلاق البحرية Marine Spaceport Voyager. ووصلت الكبسولة إلى الارتفاع المطلوب قبل أن تهبط بسلام في المحيط، في اختبار أكد جاهزية عدد من الأنظمة الأساسية ومهد الطريق أمام بدء الرحلات المأهولة ثم التشغيل التجاري.
شركة Virgin Galactic
نوع الرحلات: شبه مدارية.
قيمة التذكرة: 750 ألف دولار.
القيمة السوقية للشركة: 333.7 مليون دولار (مُدرجة في بورصة نيويورك).

تأسست شركة فيرجن غالاكتيك Virgin Galactic عام 2004 على يد الملياردير البريطاني ريتشارد برانسون، وتتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها، وتعد أول شركة تجارية متخصصة في الرحلات الفضائية شبه المدارية للأفراد والباحثين، وقد نفذت 12 رحلة فضائية شبه مدارية، نقلت خلالها 37 راكبًا.
وتعتمد الشركة على نظام إطلاق أفقي، إذ تقلع الطائرة الحاملة VMS Eve من المدرج وهي تحمل المركبة الفضائية VSS Unity. وعند الوصول إلى الارتفاع المحدد، تنفصل المركبة عن الطائرة، ثم تشغل محركها الصاروخي لتواصل الصعود إلى الفضاء شبه المداري، قبل أن يعود الركاب إلى الأرض عبر هبوط انزلاقي على مدرج المطار نفسه، ما يسمح بإعادة استخدام المركبة والطائرة في رحلات لاحقة.
وتوفر الشركة تجربة تمتد لعدة أيام تشمل برنامجًا تدريبيًا قبل الرحلة، قبل أن يخوض الركاب رحلة تمنحهم بضع دقائق من انعدام الجاذبية ومشاهدة الأرض من حافة الفضاء. وحتى نهاية عام 2025، سجلت الشركة حجوزات لنحو 675 رائد فضاء مستقبليًا، تمثل إيرادات متوقعة بنحو 188 مليون دولار عند تنفيذ الرحلات، كما رفعت سعر التذكرة الأساسية إلى 600 ألف دولار في عام 2023، وأعادت مؤخرًا فتح الحجوزات بسعر يبدأ من 750 ألف دولار للمقعد.
شركة Blue Origin
نوع الرحلات: شبه مدارية.
قيمة التذكرة: تطلب الشركة إيداعًا قابلًا للاسترداد بقيمة 150 ألف دولار لبدء إجراءات الحجز.

تأسست شركة بلو أوريجن Blue Origin عام 2000 على يد الملياردير الأميركي جيف بيزوس، وتركز على تطوير رحلات فضائية شبه مدارية عبر مركبة New Shepard القابلة لإعادة الاستخدام. وتوفر الشركة تجربة تستغرق نحو 11 دقيقة، يعبر خلالها الركاب خط كارمان (على ارتفاع 100 كم)، الحد الدولي الفاصل بين الغلاف الجوي والفضاء، ويختبرون بضع دقائق من انعدام الجاذبية قبل العودة إلى الأرض بمساعدة المظلات. وتتيح الشركة للراغبين التسجيل لحجز الرحلات عبر موقعها الإلكتروني، مع دفع إيداع قابل للاسترداد، لكنها لا تعلن السعر التجاري الرسمي للمقعد.
نفذت بلو أوريجن مهمة NS-38، التي مثلت الرحلة رقم 38 ضمن برنامج New Shepard، وعلى متنها 6 ركاب انطلقوا إلى الفضاء من موقع الإطلاق في غرب تكساس بداية هذا العام. وبذلك ارتفع إجمالي عدد الأشخاص الذين نقلتهم الشركة إلى الفضاء إلى 98 شخصًا، بينهم 92 شخصًا مختلفًا، في إطار مواصلة توسيع عملياتها في مجال السياحة الفضائية عبر مركبتها القابلة لإعادة الاستخدام New Shepard.
وشهدت بلو أوريجن إحدى أبرز المحطات في تاريخها عام 2021، عندما باعت أول مقعد على أول رحلة مأهولة لمركبة New Shepard في مزاد علني مقابل 28 مليون دولار، بمشاركة نحو 7,600 مزايد من 159 دولة، فيما خُصصت حصيلة المزاد لدعم مؤسسة Club for the Future التابعة للشركة، الهادفة إلى تشجيع الأجيال الجديدة على دراسة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وانطلقت الرحلة الأولى في 20 يوليو/تموز 2021 وعلى متنها جيف بيزوس وشقيقه مارك بيزوس، لتدشن بداية الرحلات المأهولة للشركة.
شركة Axiom Space
نوع الرحلات: مدارية.
قيمة التذكرة: 60 مليون دولار.
تأسست شركة Axiom Space عام 2016 على يد مايكل سوفريديني، وتركز على تنظيم الرحلات المدارية الخاصة إلى محطة الفضاء الدولية (ISS)، إلى جانب تطوير أول محطة فضاء تجارية في العالم Axiom Station. وتعتمد الشركة على مركبة Crew Dragon وصاروخ Falcon 9 التابعين لـ SpaceX لنقل روادها إلى المدار، وتعد حتى الآن الشركة الوحيدة المصرح لها بتنفيذ بعثات خاصة إلى محطة الفضاء الدولية. وتستهدف الشركة عملاء من الأفراد والحكومات والمؤسسات البحثية، مقدمة رحلات تمتد لأيام أو أسابيع، تجمع بين السياحة الفضائية وإجراء الأبحاث العلمية والتجارب في بيئة الجاذبية الصغرى.
ووفقًا لبيان الشركة بداية عام 2024، يبلغ سعر المقعد في رحلاتها المدارية الخاصة حاليًا نحو 60 مليون دولار، وذلك لرحلة تستمر 10 أيام إلى محطة الفضاء الدولية، وتشمل التدريب قبل الإطلاق، والانتقال إلى المدار، والإقامة على متن المحطة، قبل العودة إلى الأرض.
ومنذ إطلاق أولى بعثاتها Ax-1 في عام 2022، نفذت الشركة سلسلة من الرحلات الخاصة إلى محطة الفضاء الدولية، بمشاركة رواد فضاء من ثماني دول، وأجرت خلالها أكثر من 105 أنشطة بحثية بالتعاون مع أكثر من 50 شريكًا علميًا، إضافة إلى أكثر من 75 فعالية تعليمية وإعلامية. وتعد مهمة Ax-1 أول بعثة خاصة بالكامل إلى محطة الفضاء الدولية، إذ ضمت أربعة أفراد وأمضت 17 يومًا في المدار، وشكلت خطوة رئيسية نحو تحقيق رؤية الشركة ببناء محطة فضائية تجارية تخلف محطة الفضاء الدولية بعد انتهاء عمرها التشغيلي.
بدأت طفرة السفر بالطائرة بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها بقيت رفاهية لا يتخيلها معظم الناس، حتى أصبحت جزءًا من الحياة اليومية. واليوم تقف السياحة الفضائية عند نقطة مشابهة، حيث أسعار التذاكر مرتفعة والشروط معقدة، لكن التكنولوجيا تتقدم بوتيرة متسارعة. وربما يأتي يوم يصبح فيه الذهاب إلى منصة الإطلاق لركوب مركبة فضائية خيارًا اعتياديًا، تمامًا كما أصبح التوجه إلى المطار جزءا من روتين السفر في عصرنا.







