ناجي الخوري
في خضم التحولات المتسارعة في النظام المالي العالمي، يعود مفهوم “تبادل العملات” أو ما يُعرف بخطوط المقايضة (Currency Swap Lines) إلى الواجهة كأداة سياسية – اقتصادية تستخدمها الولايات المتحدة لإدارة الأزمات وتعزيز نفوذها النقدي، وفقا لآلية، تبدو تقنية في ظاهرها، الا انها تحمل في جوهرها أبعادًا جيوسياسية عميقة تتجاوز مجرد توفير السيولة.
فتبادل العملات هو اتفاق بين مصرفين مركزيين لتبادل عملتيهما لفترة محددة، بما يسمح بتوفير سيولة فورية بالعملة الأجنبية عند الحاجة. تاريخيًا، برزت هذه الأداة بقوة خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، عندما فتح الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خطوط مقايضة مع عدد من البنوك المركزية الكبرى، مثل البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، لتأمين الدولار في الأسواق العالمية ومنع انهيار النظام المالي.
لكن السؤال اليوم: لماذا تعود واشنطن للاعتماد على هذه الأداة في هذا التوقيت تحديدًا؟
أولًا، يرتبط ذلك بمسألة هيمنة الدولار، فرغم الحديث المتزايد عن تراجع هذه الهيمنة، لا يزال الدولار يشكل العمود الفقري للنظام المالي العالمي، حيث يتزايد الطلب على الدولار، في أوقات الأزمات، كملاذ آمن، ما يخلق اختناقات في السيولة لدى الدول الأخرى. هنا تتدخل واشنطن عبر خطوط المقايضة لتضخ الدولار عالميًا، لكنها تفعل ذلك بشكل انتقائي، ما يمنحها قدرة على تحديد من يحصل على “الأوكسجين المالي” ومن يُحرم منه.
ثانيًا، تأتي هذه الخطوة في سياق التنافس الاستراتيجي مع الصين، التي تسعى بدورها إلى تعزيز استخدام عملتها، اليوان، في التجارة الدولية. في مواجهة ذلك، تستخدم الولايات المتحدة خطوط المقايضة كأداة دفاعية لتعزيز اعتماد الدول على الدولار، وبالتالي الحد من توسع النفوذ النقدي الصيني. فكلما احتاجت دولة إلى سيولة بالدولار، وجدت نفسها مرتبطة بشكل أو بآخر بالسياسات النقدية الأميركية.
ثالثًا، تعكس هذه السياسة إدراكًا أميركيًا بأن العقوبات الاقتصادية لم تعد كافية وحدها لتحقيق الأهداف الجيوسياسية. فبينما تعتمد واشنطن على أدوات مثل العقوبات المالية، فإنها في المقابل تحتاج إلى أدوات إيجابية تحافظ من خلالها على شبكة تحالفاتها الاقتصادية. هنا تلعب خطوط المقايضة دور “الجزرة مقابل العصا”، إذ تمنح الدول الحليفة إمكانية الوصول إلى الدولار بشروط ميسّرة نسبيًا.
رابعًا، ترتبط هذه العودة أيضًا بتزايد هشاشة النظام المالي العالمي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، وتزايد أعباء الديون في الاقتصادات الناشئة. فمؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لم تعد وحدها قادرة على احتواء الأزمات بالسرعة المطلوبة، ما يدفع الولايات المتحدة إلى التحرك بشكل مباشر عبر أدواتها النقدية الخاصة.
لكن لهذه السياسة، في المقابل، تداعيات معقدة. فمن جهة، تعزز خطوط المقايضة الاستقرار المالي العالمي وتمنع انتقال الأزمات بشكل عدوى، ومن جهة أخرى، تكرّس نظامًا غير متكافئ، حيث تبقى الدول النامية خارج هذه الترتيبات أو تحصل عليها بشروط أكثر صرامة. بمعنى آخر، تتحول هذه الأداة إلى وسيلة لإعادة إنتاج التراتبية في النظام الدولي، بدلًا من إصلاحها.
يضاف الى ذلك، أن الإفراط في استخدام هذه الآلية قد يحمل مخاطر على المدى الطويل، أبرزها تعزيز الاعتماد العالمي على الدولار بشكل مفرط، ما يزيد من حساسية النظام المالي لأي تغير في السياسة النقدية الأميركية، وهو ما ظهر بوضوح في السنوات الأخيرة، حيث أدت قرارات رفع الفائدة في الولايات المتحدة إلى اضطرابات واسعة في الأسواق الناشئة.
بناء على ما تقدم، لا يمكن قراءة لجوء واشنطن إلى تبادل العملات بمعزل عن سياق أوسع من إعادة تشكيل النظام الدولي، فهي ليست مجرد أداة مالية، بل جزء من استراتيجية متكاملة تهدف إلى الحفاظ على موقع الولايات المتحدة في قلب النظام الاقتصادي العالمي.
وبينما تبدو هذه السياسة فعالة على المدى القصير، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرتها على الصمود في عالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية نقدية، حيث لم يعد الدولار اللاعب الوحيد على الساحة.







