أخبار اقتصادية

أسعار اليوروبوند: تفاؤل حذر بالمحادثات الإيرانيّة الأميركيّة

مع بدايات الحرب الراهنة، شهدت سندات اليوروبوند اللبنانيّة هبوطًا سريعًا في قيمتها، حتّى خسرت نحو ربع قيمتها لغاية الأسبوع الأوّل من شهر نيسان الماضي. وعكست هذه التراجعات تشاؤم المستثمرين في الأسواق الدوليّة، إزاء مستقبل مسار التعافي المالي، بما في ذلك احتمالات إعادة هيكلة الديون السياديّة على المدى المنظور.

يومها، رأت التقارير الماليّة أنّ الحرب ستؤدّي إلى تأخير إقرار القوانين الإصلاحيّة، وتحديدًا قانون الفجوة الماليّة. كما ترقّبت الأسواق أن تؤدّي الحرب إلى تكبيد الدولة المزيد من النفقات غير المتوقّعة، ما سيؤثّر على استدامة الديون بعد إعادة هيكلتها.

غير أنّ الأسواق عادت وتفاعلت بشكلٍ إيجابي، ولو بحذر، مع المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة الأميركيّة وإيران، ما عكس تفاؤلًا محدودًا بإمكانيّة حصول تطوّرات إيجابيّة في لبنان بفعل هذه المحادثات. إذ عادت أسعار السندات للارتفاع بشكلٍ متدرّج، وإن ظلّت الأسعار عند مستوى أقل من أسعار ما قبل الحرب.

حركة الأسعار خلال الحرب

مع بدايات التصعيد في لبنان، سجّلت أسعار سندات اليوروبوند هبوطًا سريعًا من مستوى 30 سنتًا للدولار قبل الحرب، إلى قرابة 22.75-23.25 سنتًا للدولار في بدايات شهر نيسان الماضي، ما عكس تراجعًا بنسبة 23 بالمئة خلال فترة تقارب الشهر الواحد. وبهذا الشكل، خسرت السندات كل الزيادات المُحقّقة في قيمتها خلال هذا العام، وهذا ما أعادها إلى المستوى المُسجّل في أواخر العام الماضي، البالغ 23.1 سنتًا للدولار.

المعلوم أنّ الدولة اللبنانيّة كانت قد امتنعت، منذ شهر آذار 2020، عن تسديد القيمة الإسميّة لهذه السندات عند الاستحقاق، فيما ينتظر المستثمرون عمليّة التفاوض لإعادة هيكلة السندات قبل العودة إلى تسديد. ومن المفترض أن تشمل عمليّة إعادة الهيكلة اتفاقًا على استحقاقات ونسب فوائد جديدة، فضلًا عن اقتطاعات معيّنة من قيمة كل سند، لإعادة الديون إلى مستويات مستدامة.

وبذلك، يصبح من البديهي أن تتأثر القيمة السوقيّة للسندات باحتمالات التعافي المالي في لبنان، الذي يفترض أن يتوازى مع عمليّة التفاوض مع الدائنين. وفي هذه الحالة، يفترض أن يمثّل الاتفاق مع صندوق النقد ضمانة لحملة السندات، لتأكيد جديّة أي خطّة متّفق عليها لإعادة الانتظام المالي.

بعد الهبوط الذي سجّلته سندات اليوروبوند حتّى الأسبوع الأوّل من شهر نيسان، عادت الأسواق لتسجّل ارتفاعات متدرّجة، بالتوازي مع التهدئة الجارية في منطقة الخليج. وفي النتيجة، عادت أسعار السندات لتسجّل مستويات تتراوح ما بين 26.37 سنتًا للدولار (للشريحة التي تستحق في تشرين الثاني 2027)، و27.51 سنتًا للدولار (للشريحة التي تستحق في أيّار 2023).

وبهذا الشكل، عادت السندات لتسجّل زيادة بنسبة 18 بالمئة، خلال فترة شهر واحد، مقارنة بالأسعار الرائجة في بدايات شهر نيسان الماضي. مع العلم أنّ هذه الأسعار ما زالت تقل بنسبة 8 بالمئة عن أسعار ما قبل اندلاع الحرب في أواخر شهر شباط الماضي.

التفاؤل الحذر

مصادر استثماريّة عدّة تربط هذه الزيادات الحذرة في الأسعار بجملة من العوامل، ومنها التفاؤل بإمكانيّة تخفيض التصعيد على الجبهة اللبنانيّة، في حال أفضت المحادثات الأميركيّة الإيرانيّة إلى اتفاق على وقف التصعيد، بمعزل عن شكل هذا الاتفاق أو صيغته.

مع الإشارة إلى أنّ الدولة اللبنانيّة تستعد إلى المضي قدمًا بمسار تفاوضي موازي في واشنطن، خلال الأسبوع المقبل، لمواكبة المفاوضات الإيرانيّة الأميركيّة بمطالب تُعنى بالشأن اللبناني. وبالرغم من هذا التفاؤل، قد يكون من المبكر حسم النقاش حول درجة التأثير الإيجابي التي يمكن أن يستفيد منها لبنان، في حال تم الاتفاق على وقف تام للحرب في منطقة الخليج.

في المقابل، ثمّة ما يدعو لعدم الإفراط بالتفاؤل. فحتّى هذه اللحظة، لا تزال الماليّة العامّة تعاني من تراجع حجم الإيرادات جرّاء التصعيد الحاصل، وهو ما دفعها إلى حصر النفقات بالمسائل الطارئة والأساسيّة، للحؤول دون تسجيل عجز في الموازنة العامّة. ولذلك، لم تتضح بعد التأثيرات الكاملة لهذه الحرب على الماليّة العامّة، والتي ستؤثّر بدورها على الإطار المالي المتوسّط الأجل، الجاري إعداده حاليًا في وزارة الماليّة. مع العلم أنّ هذا الإطار يفترض أن يحدد خطّة الدولة للسنوات الخمس المقبلة، بالنسبة لماليّتها ومواردها العامّة، وهو ما سيشكّل أرضيّة مناسبة لإطلاق التفاوض مع حملة السندات على إعادة هيكلة الدين العام.

في النتيجة، لا تزال حركة سندات اليوروبوند تعكس عمليّات مضاربة تتم وفق تقدير الصناديق الاستثماريّة، لمستقبل الوضع السياسي اللبناني، وتأثير هذا الوضع على أفق التعافي المالي في لبنان. وخلال الأسابيع المقبلة، ستتأثّر حركة الأسعار حكمًا بمجريات التفاوض الجاري على المستوى الإقليمي، فضلًا عن الوضع الأمني في جنوب لبنان. وعلى المدى الأبعد، ستبقى حركة الأسعار محكومة بدرجة التقدّم، أو إمكانيّة التقدّم، في تنفيذ الإصلاحات الماليّة والاقتصاديّة المطلوبة لاستعادة التعافي المالي.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *