أخبار خاصة

مسرحية “الجمعة العظيمة”: جدول أسعار يكتبه المنتصرون، وفاتورة يدفعها المهزومون

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت

في صباح كل جمعة، حيث يستيقظ اللبنانيون على وقع “جدول جديد” لأسعار المحروقات، تتكرر المسرحية ذاتها: خمس شركات تمسك بالقلم، وتكتب أرقاماً بلون أحمر. لا أحد يعرف من أين يأتي هذا الدعم “غير المعروف”، ولا من يقرر هوامش الربح. الأمر أشبه بمزاد سري، حيث المزايدون هم أنفسهم من يضعون الشروط.

خمسة “كبار” يحكمون قبضتهم على السوق

في بلدٍ لا يزيد عدد محطاته على 3011 محطة، تتوزع ملكية أكثر من نصفها على ست شركات فقط. هؤلاء ليسوا مجرد مستوردين، بل يملكون المحطات، ويستوردون الوقود، ويضعون الأسعار. وهكذا، يتحول السوق إلى حلبة مصارعة، لكن الفائز فيها معروف سلفاً.

تتكرر أسماء محدودة على الفواتير ومحطات التعبئة: …لسنوات طويلة، ظلّ استيراد المحروقات محصوراً بهذه الشركات ، التي نسجت علاقات طويلة مع الوزارات والإدارات، وكرّست لنفسها دوراً حصرياً في التحكم بالسوق. هؤلاء ليسوا تجاراً، بل أذرع غير مباشرة لمرجعيات سياسية ومالية، تحكم قبضتها على مادة هي بمثابة الأوكسجين للاقتصاد اللبناني.

وزارة النفط: “شريك” أم “غطاء”؟

من المفارقات أن وزارة الطاقة تصدر جدول الأسعار “الرسمي”، لكن عملياً، يُعدّ هذا الجدول بالتشاور مع الشركات نفسها، التي تظل اللاعب الأقوى في تحديد هوامش الربح والكميات والتوزيع. فما الجدوى من وزارة تحدد الأسعار، بينما من يفترض أن تُنظمهم هم من يمسكون بالقرار؟ وكأن الوزارة تقدم خدمة “تصديق” على ما تتفق عليه الشركات.

وعندما يتحدث المسؤولون عن “التزام الشركات بتسليم المحروقات وفقاً للجدول الرسمي”، يبدو المشهد وكأنه امتياز ممنوح، لا حق للمواطن. وفي ظل غياب منشآت حكومية للاستيراد، لا رقابة فعلية على المخزون أو الاحتكار، ولا نظام شفاف لتوزيع الحصص، يبقى المواطن رهينة لعبة “القط والفأر” بين الوزارة والشركات.

الأرقام لا تكذب: ارتفاعات “جنونية” وجيوب “مثقوبة”

في 18 أيلول 2026، استفاق اللبنانيون على جدول جديد: بنزين 95 أوكتان ارتفع إلى 2,810,000 ليرة (+92,000)، وبنزين 98 أوكتان إلى 2,828,000 ليرة (+92,000)، والمازوت إلى 2,768,000 ليرة (+127,000). أما الغاز، فبقي “مستقراً” عند 1,221,000 ليرة، وكأن الاستقرار في هذه البلاد أصبح ترفاً.

هذه الارتفاعات ليست مجرد أرقام على ورقة. إنها ترجمة يومية لمعاناة مواطن يحسب “تنكة البنزين” قبل كل مشوار، ويدرج سعر الغاز ضمن لائحة نفقاته الشهرية بدقة. بينما تعلن بعض المواقع أن سعر الصفيحة “تجاوز الـ30 دولاراً”، يبقى السؤال: من يدفع الثمن؟ الجواب واضح: المواطن، الذي يرى جيبه يفرغ بينما تمتلئ خزائن الآخرين.

“كارتيل” يتحكم بكل شيء

الوصف الدقيق لهذه المنظومة ليس “سوقاً حرة”، بل “كارتيل” مكون من نحو اثني عشر شركة، لكن القرار الفعلي بيد خمسة أو ستة “كبار”. هؤلاء يستفيدون من نظام تسعير تضع فيه الحكومة هامش الربح “مضموناً”، ما يضمن لهم أرباحاً خيالية بغض النظر عن تقلبات الأسواق العالمية.

وفي زمن الدعم، كانت الكارثة مضاعفة: بينما كان مصرف لبنان يدفع مليارات الدولارات لتأمين المحروقات بأسعار مدعومة، كانت الكميات تُهرّب إلى سوريا وتُخزّن في مستودعات خاصة بانتظار رفع الدعم لتحقيق أرباح خيالية. المواطنون اصطفوا في طوابير الذل، بينما راكم بعض المستوردين الثروات.

خاتمة: هل نحن ندفع ثمن النفط… أم ثمن الصمت؟

في النهاية، لم تعد النار التي تشتعل في المحركات هي الخطر الحقيقي، بل النار التي تشتعل في الجيوب. وكلما ارتفع السعر، تكرر السؤال نفسه: هل نحن ندفع ثمن النفط… أم ثمن الصمت؟

إن ما يحدث ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل هو نموذج لاقتصاد “الريع” و”الاحتكار” الذي يتحكم بمصير بلد كامل. خمس شركات تجلس خلف طاولة، تمسك بالقلم، وتكتب أرقاماً بلون أحمر. والمواطن، في الخارج، ينتظر دوره في المسرحية… ليدفع الفاتورة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *