أخبار خاصة

بوليصة أغلى… وتغطية أضيق: اللبناني يدفع ثمن حوادث الطرقات

ناجي الخوري

لم تعد حوادث السير في لبنان مجرد نزيف بشري على الطرقات، بل تحولت إلى فاتورة اقتصادية تتوزع بين المواطن وشركات التأمين وورش إصلاح السيارات والمستشفيات. والمفارقة في 2026 أن عدد الحوادث لم يرتفع، بل سجل تراجعاً طفيفاً، فيما بقيت كلفة الحادث الواحد مرتفعة، نتيجة ارتفاع أسعار قطع السيارات وأجور الإصلاح والخدمات الطبية، ما يضع قطاع التأمين أمام معادلة أكثر تعقيداً: حوادث أقل نسبياً، لكن مطالبات أكثر كلفة.

الأرقام الرسمية وشبه الرسمية للنصف الأول من 2026 تكشف أن لبنان سجل 1,491 حادث سير خلال الأشهر الستة الأولى، مقابل 1,511 حادثاً في الفترة نفسها من 2025، أي انخفاضاً بنحو 1.3%. وانخفض عدد الوفيات من 249 إلى 199 وفاة، أي نحو 20%، فيما تراجع عدد الجرحى من 1,734 إلى 1,639 جريحاً، بنسبة تقارب 5.5%.

لكن هذه الأرقام الإيجابية نسبياً لا تعني أن قطاع التأمين خرج من دائرة الخطر. فكل حادث، وخصوصاً الحوادث التي تتضمن إصابات جسدية أو أضراراً كبيرة في المركبات، بات أكثر تكلفة من السابق. السيارة التي تحتاج إلى تغيير مصباح أو قطعة هيكلية أو نظام إلكتروني لم تعد كلفة إصلاحها تقاس بالليرة كما كانت قبل الأزمة، لأن غالبية القطع مستوردة، وأسعارها مرتبطة بالدولار، فيما ارتفعت أجور اليد العاملة والصيانة.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية أمام شركات التأمين: تكرار الحوادث هو عامل واحد فقط في تحديد الكلفة، بينما قيمة المطالبة هي العامل الثاني. فإذا انخفض عدد الحوادث بنسبة بسيطة، لكن ارتفعت قيمة متوسط التعويض نتيجة ارتفاع أسعار الإصلاح، فإن الضغط على شركات التأمين لا يختفي.

وتظهر أهمية تأمين السيارات في السوق اللبنانية من حجم المطالبات. فبيانات قطاع التأمين عن 2025، المنشورة في آذار 2026، تظهر أن تأمين السيارات شكّل 15.29% من إجمالي عدد المطالبات التأمينية، في المرتبة الثانية بعد التأمين الصحي الذي استحوذ على 79.81%. كما بلغت التعويضات المدفوعة في مختلف فروع التأمين نحو 69.42 تريليون ليرة في 2025، مقارنة بـ62.27 تريليوناً في 2024.

أما على مستوى الأقساط، فقد بلغت أقساط تأمين السيارات نحو 280 مليون دولار في 2025، مع نمو يقارب 22.3%، في مؤشر إلى أن شركات التأمين بدأت ترفع الأسعار لتتناسب مع ارتفاع المخاطر والكلفة. وهذه الزيادة لا تعني بالضرورة ارتفاع الأرباح، لأن الجزء المقابل منها يذهب إلى التعويضات والمصاريف التشغيلية وإعادة التأمين.

وفي 2026، أصبح المواطن يلمس هذا الواقع مباشرة. فقد شهدت السوق زيادات في بعض أقساط التأمين الشامل على السيارات منذ بداية العام، بينما طُرحت أيضاً زيادات على بعض بوالص المسؤولية المدنية. وبالنسبة إلى التأمين الإلزامي، تتراوح الأقساط المنشورة بين نحو 43 و60 دولاراً، فيما يصل سقف تغطية الأضرار الجسدية في النظام الجديد إلى 750 مليون ليرة، أي نحو 500 ألف دولار وفق سعر الصرف المعتمد في المصدر.

لكن ارتفاع سعر البوليصة يفتح الباب أمام مشكلة أخرى: هل يحصل المواطن فعلاً على التغطية التي يعتقد أنه اشتراها؟

هنا تتكاثر الشكاوى والنزاعات. بعض العملاء يكتشفون بعد الحادث أن بوليصتهم لا تغطي الضرر الذي لحق بسيارتهم، لأنهم اشتروا تأمين المسؤولية تجاه الغير وليس التأمين الشامل. آخرون يصطدمون بقيمة التحمل، أو بسقف التعويض، أو باختلاف تقدير الخبير عن كلفة الإصلاح التي يطلبها صاحب السيارة. وفي حالات أخرى، يبرز الخلاف حول قطع الغيار الأصلية أو البديلة، أو حول قيمة السيارة بعد الضرر، أو المدة التي تستغرقها تسوية المطالبة.

مشكلة ليست لبنانية محضة، لكنها في لبنان أصبحت أكثر حدة بسبب الأزمة الاقتصادية. فقد أدت الأزمة إلى تراجع القوة الشرائية، وانخفاض مبيعات وثائق التأمين غير الحياتية بنسبة 25% بين 2019 و2023، وفق بيانات جمعية شركات التأمين في لبنان، فيما بقي نحو 1.2 مليار دولار من أصول شركات التأمين عالقاً في المصارف.

وبالتالي، يجد المواطن نفسه أمام خيارين كلاهما مكلف: إما دفع قسط أعلى للحصول على تغطية أوسع، أو شراء بوليصة أرخص مع تحمّل مخاطر أكبر عند وقوع الحادث.
الاهم أن كثيراً من اللبنانيين يتعاملون مع التأمين باعتباره التزاماً قانونياً لا أداة لإدارة المخاطر. فيختارون أرخص بوليصة، ثم يكتشفون عند وقوع الحادث أن قيمة الضرر الفعلية تتجاوز بكثير حدود التغطية.

أما شركات التأمين، فهي أمام معادلة دقيقة: إذا رفعت الأقساط كثيراً، خسرت جزءاً من العملاء؛ وإذا أبقت الأسعار منخفضة، تصبح غير قادرة على مواكبة ارتفاع قيمة المطالبات. لذلك يصبح الحل في إعادة تسعير المخاطر، وتحسين إدارة المطالبات، وتسريع التسويات، وربط قيمة التغطية بالكلفة الحقيقية للإصلاح.

الخلاصة أن 2026 لا يحمل ارتفاعاً في عدد حوادث السير بقدر ما يحمل ارتفاعاً في حساسية فاتورة الحادث. فالأرقام تظهر تراجع الحوادث والوفيات والجرحى، لكن الاقتصاد المتضخم بالدولار يجعل كل حادث أكثر تكلفة على شركة التأمين وعلى المواطن معاً.

فبين طرقات غير آمنة، وسيارات تزداد كلفة صيانتها، وبوالص يحاول المواطن تقليص كلفتها، وشركات تسعى إلى حماية ملاءتها المالية، يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم حادث سير وقع في لبنان؟ بل: كم أصبح يكلف الحادث الواحد، ومن سيدفع الفاتورة؟
هنا تحديداً يكمن التحدي الأكبر أمام سوق التأمين اللبناني في 2026.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *