تواجه أسواق العمل الأوروبية تحولاً هيكلياً متسارعاً مع التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وسط توقعات بتأثيرات واسعة على الوظائف وأنظمة الضمان الاجتماعي.
وتستند هذه التقديرات إلى دراسات صادرة عن McKinsey & Company وWorld Economic Forum وOrganisation for Economic Co-operation and Development، والتي تشير إلى أن سوق العمل الأوروبية قد يشهد تغيرات جوهرية بحلول عام 2030، مع تفاوت واضح في حجم التأثير بين القطاعات المختلفة.
وبحسب التقديرات، ستكون القطاعات المعتمدة على المهام الروتينية والمتكررة الأكثر عرضة للتحول، حيث تتصدر قطاعات الضيافة والمطاعم القائمة بنسبة تأثر تصل إلى 94% من الوظائف، تليها الفنون والترفيه بنسبة 80%، ثم التجارة والتجزئة بنسبة 68%، فيما قد تتأثر نحو 50% من وظائف النقل والتخزين والبناء بدرجات متفاوتة.
ويرى خبراء أن الوظائف القائمة على الإجراءات المتكررة أو القابلة للأتمتة ستكون الأكثر عرضة للتغيير، في حين ستظل الوظائف التي تتطلب الإبداع والتفكير النقدي والتفاعل البشري أقل تأثراً.
وفي ألمانيا تشير التوقعات إلى تأثر ما بين 1.5 و3 ملايين وظيفة نتيجة انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما قد يؤدي إلى تراجع إيرادات صناديق الضمان الاجتماعي بما يتراوح بين 3 و6 مليارات يورو سنوياً بسبب انخفاض عدد المساهمين في أنظمة التأمينات.
2.5 مليون وظيفة مهددة في فرنسا
أما في فرنسا فتُقدر الوظائف المعرضة للتأثر بما بين مليوني و2.5 مليون وظيفة، خصوصاً في قطاعات التجزئة والنقل والخدمات الإدارية. وفي حال فقدان 15% من العاملين المتأثرين وظائفهم، قد تنخفض إيرادات الضمان الاجتماعي بما بين ملياري و4 مليارات يورو سنوياً، في ظل اعتماد النظام الفرنسي بدرجة كبيرة على اشتراكات الرواتب لتمويل برامج الرعاية الاجتماعية.
الوظائف القابلة للأتمتة
وفي إيطاليا، حيث تشكل الشركات الصغيرة والتجارة المحلية العمود الفقري للاقتصاد، تشير التقديرات إلى أن ما بين 45% و50% من الوظائف قابلة للأتمتة أو لإعادة هيكلة مهامها باستخدام الذكاء الاصطناعي. ويثير ذلك مخاوف إضافية في ظل شيخوخة السكان والضغوط المتزايدة على أنظمة التقاعد.
وفي إسبانيا كإحدى الدول الأكثر حساسية لهذه التحولات، نظراً للأهمية الكبيرة لقطاع الضيافة والسياحة في اقتصادها. ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الأنشطة السياحية والخدمية، قد يتأثر مئات الآلاف من العاملين الموسميين، ما قد ينعكس على معدلات البطالة المؤقتة وتكاليف الدعم الحكومي.
ورغم هذه التحديات، يؤكد العديد من الخبراء أن الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة القضاء على الوظائف، بل إعادة تشكيل طبيعتها. ويشير أصحاب الأعمال الذين بدأوا تطبيق هذه التقنيات إلى أن الأنظمة الذكية أسهمت في تحسين الكفاءة التشغيلية ودعم الموظفين بدلاً من استبدالهم بشكل كامل.
إعادة التأهيل المهني
وتظهر استطلاعات الرأي أن 61% من العاملين الأوروبيين يتوقعون الحاجة إلى إعادة تأهيل مهني لمواكبة التحول الرقمي، بينما يرى 44% أن شركاتهم قد لا توفر التدريب اللازم.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 90 مليون عامل في أوروبا سيحتاجون إلى برامج إعادة تدريب وتأهيل بحلول عام 2030، بتكلفة قد تتجاوز 100 مليار يورو على مستوى الاتحاد الأوروبي.
ويرى مراقبون أن مستقبل سوق العمل الأوروبية لن يتحدد بمدى انتشار الذكاء الاصطناعي فحسب، بل بقدرة الحكومات والشركات على الاستثمار في التدريب وإعادة التأهيل المهني، بما يضمن انتقالاً سلساً نحو الاقتصاد الرقمي ويحد من التداعيات الاجتماعية المحتملة.


