أخبار خاصة

المودع يدير ظهره للمصرف…. أرقام النصف الأول من 2026 تكشف المستور

ناجي الخوري

تكفي مقارنة واحدة لاختصار جزء كبير من قصة القطاع المالي اللبناني في عام 2026: 485 ألف عملية مالية نُفذت عبر شركات تحويل الأموال خلال الأشهر الستة الأولى من العام، مقابل نحو 35 ألف عملية عبر المصارف.

بصرف النظر عن طبيعة كل عملية وقيمتها، تكشف الارقام تحولاً عميقاً في سلوك اللبنانيين، وتطرح سؤالاً يتجاوز عدد المعاملات إلى جوهر الأزمة: ماذا بقي من الثقة بالمصارف اللبنانية، وهل تستطيع القوانين الإصلاحية الجديدة إعادة بناء هذه الثقة التي تآكلت على مدى سنوات؟

فاللبناني الذي كان، قبل الانهيار المالي، يعتمد على المصرف لتحويل الأموال، تسديد الالتزامات، تمويل التجارة، تلقي التحويلات، وإدارة مدخراته، بات يبحث عن قنوات بديلة أكثر سرعة ووضوحاً وأقل ارتباطاً بالنظام المصرفي التقليدي، حيث لم تعد شركات تحويل الأموال مجرد خدمة جانبية في الاقتصاد اللبناني، بل تحولت إلى جزء أساسي من البنية المالية اليومية، خصوصاً في اقتصاد أصبح يعتمد بصورة متزايدة على النقد والتحويلات الخارجية.

هنا تكمن خطورة الأرقام. فالثقة بالمصرف لا تقاس فقط بحجم الودائع الموجودة في ميزانياته، بل أيضاً بمدى استعداد الناس لاستخدامه في حياتهم المالية اليومية. فعندما يفضّل المواطن شركة تحويل أموال على مصرف لإرسال الأموال أو استلامها، فهذا يعني أن المصرف فقد جزءاً من وظيفته الأساسية كوسيط مالي. وعندما يحتفظ الأفراد بأموالهم خارج النظام المصرفي، تصبح قدرة المصارف على إعادة تكوين قاعدة ودائع صحية وتمويل الاقتصاد أضعف.

لكن الأهم أن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن شركات تحويل الأموال حلت مكان المصارف في كل وظائفها. فطبيعة العمليات وقيمتها تختلف، كما أن الشركات والمصارف تؤدي أدواراً مختلفة. لذلك، لا يمكن قراءة الفارق بين 485 ألف عملية و35 ألف عملية باعتباره مقارنة مباشرة بين حجم أعمال القطاعين، الا أنه مؤشر قوي على تغير سلوك المستخدم المالي، وعلى اتساع المسافة النفسية والعملية بين المواطن والمصرف. مسافة هي تحديداً ما تحاول القوانين الإصلاحية معالجته.

لقد مثل إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف خطوة أساسية لأنه يضع إطاراً لمعالجة المصارف غير القادرة على الاستمرار، تنظيم عملية إعادة هيكلة القطاع، وتحديد المصارف القابلة للحياة من تلك التي تحتاج إلى معالجة أعمق. لكن نجاح القانون لن يقاس بعدد مواده ولا بسرعة إقراره، بل بما سيحدث بعد ذلك: كيف ستصنف المصارف؟ من يتحمل الخسائر؟ كيف ستعاد رسملة المؤسسات القابلة للحياة؟ وماذا سيحدث للودائع؟

هنا نصل إلى العقدة الأكثر حساسية: الفجوة المالية.
فالثقة لن تعود بمجرد إعادة فتح فروع المصارف أو إدخال تعديلات قانونية على عملها. فالمودع يريد معرفة مصير أمواله، بأي قيمة، على أي فترة زمنية، ومن سيتحمل الخسائر الناتجة عن الانهيار المالي. كما أن المستثمر يريد معرفة ما إذا كان النظام المصرفي الجديد قادراً على حماية أمواله، فيما يحتاج الاقتصاد إلى مصارف تستطيع استعادة دورها الطبيعي في تمويل المؤسسات والاستثمار والاستهلاك.

لذلك، فإن قانون الفجوة المالية سيكون عملياً الاختبار الأصعب. فإذا بدا للمودعين أن معالجة الخسائر تتم على حسابهم وحدهم، فإن القانون قد يزيد أزمة الثقة بدلاً من أن يحلها. أما إذا نجح في وضع توزيع عادل وشفاف للخسائر، بالتوازي مع إعادة بناء رسملة المصارف وإصلاح المالية العامة ومصرف لبنان، فقد يشكل بداية لمسار مختلف.

المشكلة أن الثقة المفقودة لا يمكن استعادتها بقرار سياسي أو بنص قانوني. فالثقة تحتاج إلى تجربة جديدة يعيشها المودع، الذي يريد أن يضع أمواله في المصرف ويعرف أنه يستطيع استعادتها، الذي يريد أن يحول الأموال من دون قيود مفاجئة، الذي يريد سعراً واضحاً وعادلاً لأمواله، والذي يريد أن يعرف أن المصرف الذي يتعامل معه يخضع لرقابة حقيقية، وأن أصحاب القرار فيه لا يستطيعون تحميل المودعين أخطاء الماضي.

من هنا، قد تكون مهمة القطاع المصرفي بعد الإصلاح أصعب من مجرد إعادة فتح دفاتر الودائع. فالمصارف مطالبة بإعادة بناء نموذج أعمالها بالكامل. فالمصرف الذي عاش سنوات طويلة على الاقتصاد الريعي، وعلى تمويل الدولة، وعلى الفوائد المرتفعة، لا يستطيع العودة ببساطة إلى النموذج نفسه، حيث المطلوب مصرف أكثر تحفظاً في المخاطر، أكثر شفافية، وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي، خصوصاً بتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والاستثمار والإنتاج.

في المقابل، تتحمل الدولة مسؤولية أساسية. فلا يمكن تحميل المصارف وحدها نتائج منظومة مالية امتدت لعقود، كما لا يمكن إعفاء المصارف ومساهميها وإداراتها من مسؤولياتهم. فإعادة بناء القطاع تحتاج إلى توزيع واضح للخسائر وفق تسلسل عادل، وإلى معالجة مالية عامة قابلة للاستمرار، وإلى إصلاح حقيقي في مصرف لبنان، وإلى رقابة مصرفية أكثر صرامة.

المفارقة أن شركات تحويل الأموال أصبحت اليوم المستفيد غير المباشر من انهيار الثقة بالمصارف. وكلما طال أمد الأزمة، ترسخت عادات مالية جديدة لدى اللبنانيين، حيث جيل كامل بدأ يتعامل مع النقد والتحويلات المباشرة باعتبارها أمراً طبيعياً، بينما أصبح المصرف بالنسبة إلى كثيرين مكاناً لاستقبال راتب أو تحويل محدود، لا مؤسسة لحفظ الثروة وإدارتها. وهذا هو الخطر الحقيقي.
فحتى لو أعيدت هيكلة المصارف، فإن السؤال سيكون: هل سيعود اللبنانيون إليها؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن الإصلاح يكون قد نجح في استعادة الوظيفة الاقتصادية للقطاع المصرفي. أما إذا بقيت الـ485 ألف عملية خارج المصارف تقابلها 35 ألفاً فقط داخلها، مع استمرار اعتماد الأفراد والمؤسسات على القنوات البديلة، فإن لبنان سيكون قد أصلح المصارف قانونياً، لكنه لم يصلح علاقته بها اجتماعياً واقتصادياً.

في النهاية، تستطيع القوانين الإصلاحية أن تعيد تنظيم المصارف، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة الثقة، التي ستعود عندما يرى المودع أن قواعد اللعبة تغيرت فعلاً، أن أمواله محمية، أن الخسائر وُزعت بعدالة، وأن المصرف أصبح مؤسسة لخدمة الاقتصاد لا أداة لتمويل الدولة.

عندها فقط يمكن أن تبدأ المعادلة بالانقلاب: من اقتصاد يهرب من المصارف إلى اقتصاد يعود إليها. حتى ذلك الحين، تبقى أرقام النصف الأول من 2026 جرس إنذار واضحاً: اللبنانيون لم يهجروا المصارف لأنهم لا يحتاجون إليها، بل لأنهم لم يعودوا يثقون بأنها قادرة على حماية أموالهم.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *