أخبار خاصة

الاقتصاد يقدّم الوصفة، لكن السياسة لا تزال تؤجّل تناول الدواء.. الحاكم يرفع السقف: لا تعافٍ من دون قرارات موجعة

ناجي الخوري

في لحظة مفصلية من تاريخ الأزمة الاقتصادية في لبنان، برز مقال حاكم مصرف لبنان كريم سعيد بوصفه محاولة لإعادة صياغة السردية الرسمية للانهيار، ليس فقط من زاوية التفسير، بل من زاوية تهيئة الأرضية السياسية والاقتصادية لمرحلة مختلفة عنوانها “الاعتراف بالخسائر تمهيدًا لتوزيعها”.

فبعد سنوات من المقاربات الضبابية التي تراوحت بين الإنكار والتسويف، يأتي كلامه ليضع الإصبع على جوهر الأزمة، معتبرًا أنّ ما حصل لم يكن صدمة خارجية بقدر ما كان نتيجة طبيعية لمسار طويل من الاختلالات البنيوية في المالية العامة والسياسات النقدية وتوظيفات القطاع المصرفي.

تحوّل في النبرة لا يعتبر تفصيلًا تقنيًا، بقدر ما يعكس إدراكًا متزايدًا لدى صانع القرار النقدي بأنّ أي مسار للتعافي لم يعد ممكنًا من دون مقاربة صريحة لمسألة الخسائر، وهي العقدة التي عطّلت كل الخطط السابقة. من هنا، يمكن قراءة هذا الخطاب كجزء من عملية إعادة تموضع، تهدف إلى توزيع الأعباء سياسيًا قبل توزيعها ماليًا:

أولًا: في تشخيص الأزمة
يركّز سعيد على ثلاثية: غياب الانضباط المالي، سوء الإدارة النقدية، وسوء توظيف مدخرات القطاع الخاص. تشخيص يتقاطع مع أدبيات صندوق النقد الدولي، ما يعني أن المصرف المركزي يحاول التموضع ضمن الإطار الإصلاحي الدولي، تمهيدًا لتسهيل الاتفاق. لكنه في الوقت نفسه يوزّع المسؤوليات بشكل غير مباشر، واضعًا الدولة والمصارف إلى جانبه، في محاولة لتفادي تحميل المصرف المركزي العبء الأكبر سياسيًا.

ثانيًا: في مسار الإصلاح المالي
الإشارة إلى تحسّن الموازنات عبر زيادة الجباية وضبط الإنفاق تعكس واقعًا جزئيًا: نعم، هناك تحسن تقني في المالية العامة، لكنه ناتج أساسًا عن تضخم الإيرادات بفعل انهيار العملة وليس عن إصلاحات هيكلية عميقة. بالتالي، فإن توصيف هذا المسار بـ”الاتجاه الصحيح” يبقى محدود الدلالة، لأنه لا يعالج جوهر العجز المرتبط ببنية الاقتصاد الريعي.

ثالثًا: توزيع الخسائر والعقدة السياسية
طرح توزيع الخسائر بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف هو لبّ الأزمة. فرغم منطقيته الاقتصادية، يصطدم مباشرة بالتوازنات السياسية، حيث ترفض قوى نافذة تحمّل كلفة كبيرة، خصوصًا في ما يتعلق برسملة المصارف أو شطب جزء من الودائع الكبيرة.
أما إعطاء الأولوية لصغار المودعين (90%)، فهو طرح واقعي اجتماعيًا، لكنه يطرح سؤالًا حادًا: من سيتحمل الخسارة المتبقية؟ هنا يدخل العامل السياسي بقوة، لأن أي توزيع فعلي للخسائر يعني إعادة رسم خريطة النفوذ المالي في البلاد.

رابعًا: إعادة هيكلة القطاع المصرفي
تأكيد سعيد على استحالة بناء نظام مصرفي على أصول متعثرة ورأسمال وهمي يعكس توجهًا نحو خيارين لا ثالث لهما:

  • ضخ رساميل جديدة (وهو خيار صعب في ظل انعدام الثقة)
  • تقليص جذري لحجم القطاع
    كلام ينسجم مع مقاربة صندوق النقد الدولي، لكنه يفتح الباب أمام سيناريو إعادة تكوين القطاع المصرفي، أي خروج عدد كبير من المصارف من السوق، وهو ما سيواجه بمقاومة شديدة من لوبيات مالية وسياسية.

خامسًا: رهان صندوق النقد والجسر التمويلي
اعتبار أن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي هو المسار الأخير الموثوق، يعكس إدراكًا واضحًا بأن لبنان فقد القدرة على المناورة، اذ لم يعد هناك هامش لفرض شروط مضادة، بل أصبح في موقع المتلقي لشروط الإصلاح.
أما التحذير من غياب “الجسر التمويلي”، فهو دقيق جدًا. فالإصلاحات، حتى لو بدأت، تحتاج إلى تمويل مرحلي يمنع الانهيار الكامل خلال فترة التنفيذ، ومن دونه، قد تنهار البيئة الاقتصادية والاجتماعية قبل أن تظهر نتائج الإصلاح.

عليه يقف لبنان أمام مفترق حاسم يمكن اختصاره بثلاثة سيناريوهات:

  • سيناريو الإصلاح المنضبط (احتمال متوسط):
    فالاتفاق مع صندوق النقد الدولي يعني: إطلاق إعادة هيكلة مصرفية، توزيع تدريجي للخسائر، وتأمين تمويل خارجي. هذا السيناريو يضع البلاد على مسار تعافٍ بطيء لكنه مستدام.
  • سيناريو المراوحة (الاحتمال الأعلى):
    استمرار الخطاب الإصلاحي دون قرارات حاسمة بسبب التعقيدات السياسية، ما يؤدي إلى تآكل إضافي في الاقتصاد وإطالة أمد الأزمة.
  • سيناريو الانزلاق (احتمال قائم):
    فشل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، غياب التمويل، وتفاقم الضغوط الاجتماعية والنقدية، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية، ما قد يعيد تفجير أزمة سعر الصرف.

هكذا يمكن اعتبار كلام الحاكم، إعلانا ضمنيا لمرحلة ما قبل القرارات الصعبة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في فهم الأزمة، بل في القدرة السياسية على تنفيذ الحلول، خصوصًا في ما يتعلق بتوزيع الخسائر وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
بمعنى آخر: الاقتصاد يقدّم الوصفة، لكن السياسة لا تزال تؤجّل تناول الدواء.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *