عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
غريب أمر هذه الحكومة، وغريب أكثر ترتيبها لأولوياتها. تنعقد للبحث في قضية التسمّم الغذائي التي أُثيرت حولها ضجّة إعلامية وسياسية واسعة، وكأنّ البلاد تواجه كارثة وطنية، فيما لا تجتمع بالزخم نفسه لمناقشة أسباب سقوط القتلى والجرحى على الطرقات، أو لمحاسبة المسؤولين عن استمرار التلوّث البيئي الناتج عن معامل الكهرباء والمقالع والكسّارات ودخان المصانع ونفاياتها، وما تخلّفه هذه المصادر من أضرار تطاول صحة المواطنين وسلامتهم وبيئتهم.
لا أحد يجادل في أنّ سلامة الغذاء مسألة أساسية، وأنّ أيّ حالة تسمّم تستوجب التحقيق والتدقيق وتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرارها. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تُقاس خطورة القضايا العامة بحجم الضجّة التي تثيرها، أم بعدد الضحايا الذين تسقطهم، وبمدى استمرار أضرارها، وبحجم المسؤولية العامة في معالجتها؟
حتى الآن، لم يُعلن عن تسجيل حالة وفاة مرتبطة بقضية التسمّم التي أُثيرت حولها هذه الضجّة، وهذا لا يقلّل من ضرورة التحقيق في ملابساتها، لكنه يطرح تساؤلات مشروعة عن حجم الاستنفار الرسمي والإعلامي الذي رافقها، مقارنة بقضايا مزمنة تحصد الأرواح بصورة متكرّرة، وتترك آثاراً صحية وبيئية واجتماعية واقتصادية لا يمكن تجاهلها.
فحوادث السير، على سبيل المثال، ليست أحداثاً طارئة يمكن التعامل معها ببيان أو اجتماع عابر، بل هي نتيجة عوامل معروفة، في مقدّمها عدم تطبيق قوانين السير بصورة حازمة، وضعف الرقابة، وغياب الردع الكافي، فضلاً عن حال الطرقات والبنية التحتية. ومع ذلك، لا نشهد دائماً استنفاراً حكومياً يتناسب مع خطورة هذه الظاهرة، ولا نرى مساءلة سياسية وإدارية منتظمة عن استمرار سقوط الضحايا.
أما التلوّث البيئي، فحدّث ولا حرج. معامل الكهرباء التي تنفث ملوّثاتها، والمقالع والكسّارات التي تستنزف الطبيعة، والمصانع التي لا تلتزم جميعها بالمعايير البيئية المطلوبة، والنفايات التي تتحوّل في بعض المناطق إلى مصدر دائم للخطر، كلّها قضايا تستحق أن تكون في صلب جدول أعمال الحكومة، لا أن تبقى أسيرة التصريحات الموسمية والوعود التي تتراجع أمام المصالح والضغوط.
أليس التعرّض المزمن للملوّثات قضية تتصل مباشرة بصحة المواطن؟ أليست سلامة الطرقات مسؤولية الدولة؟ وأليس من واجب الحكومة أن تتعامل مع مصادر الخطر الدائم بالجدية نفسها التي تتعامل بها مع حادثة تستقطب اهتمام الرأي العام؟
المشكلة ليست في أن تجتمع الحكومة لبحث التسمّم الغذائي، بل في أن تتحوّل قضية واحدة إلى أولوية استثنائية، فيما تبقى قضايا أخرى أكثر اتساعاً واستمراراً في دائرة الإهمال أو المعالجة البطيئة. فالدولة التي تستنفر في ملف يفترض أن يخضع للتحقيق الفني والقانوني، ينبغي أن تكون أكثر استنفاراً في مواجهة الأخطار التي تتكرّر يومياً، وتطال أعداداً أكبر من المواطنين.
ثم إنّ التسمّم الغذائي ليس ظاهرة محصورة بالمطاعم. فقد يحدث في المنازل أيضاً، نتيجة سوء الحفظ أو التحضير أو التلوّث أو انتهاء صلاحية بعض المنتجات. وهذه حقيقة لا تعني التقليل من مسؤولية المؤسسات الغذائية، بل تؤكد أنّ معالجة المشكلة يجب أن تقوم على العلم والفحوص المخبرية والتتبّع الدقيق لمصدر الغذاء، لا على الانطباعات والأحكام المسبقة والضغوط الإعلامية.
ومن هنا، يصبح من الضروري التمييز بين التحقيق الجدي الذي يهدف إلى حماية الصحة العامة وتحديد المسؤوليات، وبين تحويل القضية إلى مادة للمزايدات السياسية والإعلامية، أو إلى فرصة لتصفية الحسابات مع مؤسسة تجارية بعينها.
فما يثير الاستغراب في هذه القضية ليس حقّ الجهات الرقابية في التدخّل، ولا حقّ الإعلام في متابعة ما يجري، بل احتمال أن تتقدّم الاعتبارات الشخصية والمصالح الخاصة على مقتضيات التحقيق الموضوعي، وأن يصبح مطعم بعينه محور القضية قبل استكمال جميع الفحوص والتحقّقات اللازمة.
لقد تحوّلت القضية، في نظر كثيرين، إلى ما يشبه البقرة التي وقعت وكثر عليها الطباخون. أطراف متعددة دخلت على خطّها، وأصوات تسابقت في إطلاق المواقف، فيما يفترض أن تبقى الأولوية لتحديد مصدر التلوّث المحتمل، ومسار انتقاله، والمسؤولية الفعلية عنه، بعيداً من الاستنتاجات المتسرّعة التي قد تلحق ضرراً بسمعة مؤسسة قبل اكتمال التحقيق.
والأخطر من ذلك ما يُثار عن احتمال تسريب معلومات من داخل إحدى الدوائر الرسمية المعنية بالرقابة، وعن قيام موظف فيها بتزويد وسائل إعلام بمعلومات تتصل بتفاصيل المتابعة والاتصالات التي جرت بين المسؤولين، وصولاً إلى ما دار بين بعض المعنيين ورؤسائهم.
إذا ثبتت هذه الوقائع، فنحن لا نكون أمام مجرّد خلاف في وجهات النظر، بل أمام مسألة تتصل بأصول العمل الإداري، وواجب التحفّظ، وحيادية الموظف العام، ومدى جواز استخدام المعلومات الوظيفية للتأثير في الرأي العام أو توجيه مسار قضية لا تزال قيد التحقيق.
فالدوائر الرقابية وجدت لحماية المواطنين وتطبيق القانون على الجميع، لا لتصفية الحسابات أو تصدير المعلومات بصورة انتقائية. والموظف الذي يملك معلومات بحكم موقعه الوظيفي، إن ثبت أنّه سرّبها بقصد التأثير في التحقيق أو الإضرار بجهة بعينها، يكون قد وضع حيادية الإدارة موضع تساؤل، وأثار شبهة استغلال الموقع الرسمي في غير الغاية التي أُنشئ من أجلها.
لكنّ العدالة تقتضي هنا أيضاً ألّا تتحوّل الاتهامات إلى أحكام مسبقة. فهذه الوقائع، إن كانت موثّقة، يجب أن تُحال إلى الجهة المختصة للتحقّق منها، وتحديد ما إذا كان ما جرى يدخل في إطار الإخبار المشروع عن مخالفة، أم في إطار تسريب معلومات غير مسموح بها، أم في سياق محاولة التأثير في قضية لا تزال عناصرها قيد التدقيق. فالفصل بين هذه الاحتمالات لا يكون بالتشهير، بل بالتحقيق والأدلة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ستتعامل الجهات المعنية مع هذه الشبهات بالجدية نفسها التي تعاملت بها مع قضية المطعم؟ وهل ستُراجع طريقة تداول المعلومات داخل الدائرة المعنية، وتتحقّق من مصادر التسريبات، إن وجدت، ومن أهدافها وتوقيتها، أم أنّ المحاسبة ستبقى انتقائية، تُشدّد على طرف وتتساهل مع طرف آخر؟
إنّ المطلوب ليس حماية مطعم من المساءلة، ولا إعفاء أيّ مؤسسة غذائية من مسؤوليتها، بل حماية مبدأ أساسي: لا إدانة قبل اكتمال التحقيق، ولا استهداف على أساس الخصومة، ولا استغلال للموقع الرسمي أو الإعلامي لتوجيه قضية نحو نتيجة محدّدة سلفاً.
فإذا أثبتت الفحوص المخبرية وجود مخالفة، وجب اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّ المسؤول عنها، أياً تكن هويته أو موقعه. وإذا تبيّن أنّ مصدر المشكلة هو المورّد أو إحدى حلقات سلسلة التوريد، فلا يجوز اختزال المسؤولية بالمؤسسة التي ظهر اسمها في الواجهة، مع إغفال بقية الأطراف المعنية. أما إذا لم تثبت المخالفات المنسوبة إلى جهة بعينها، فمن حقّها ألّا تبقى رهينة اتهامات متداولة لا تستند إلى نتائج نهائية.
في المحصّلة، لا تُقاس جدية الدولة بعدد اجتماعاتها ولا بحجم البيانات التي تصدرها، بل بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع، وحماية صحة المواطنين، ومحاسبة المسؤولين عن المخاطر التي تهدّد حياتهم، سواء أكانت في مطعم أم على طريق أم في الهواء الذي يتنفّسونه.
فالحكومة التي تجد الوقت للاجتماع بسبب قضية تستأثر بالاهتمام الإعلامي، مطالبة بأن تجد الإرادة السياسية نفسها لمواجهة حوادث السير والتلوّث البيئي ومصادر الخطر المستمرة. أما أن تستنفر الدولة في ملف، وتغيب أو تتباطأ في ملفات أخرى، فذلك يفتح الباب أمام سؤال أكبر من قضية مطعم أو مورّد: هل تُدار الأولويات وفقاً لمصلحة المواطن، أم وفقاً لحجم الضجيج والمصالح التي تقف خلف كلّ قضية؟







