أخبار خاصة

الرياض تفتح المنصة …. و”السكانر” يختبر الثقة

ناجي الخوري

في توقيت اقتصادي بالغ الحساسية، حملت المملكة العربية السعودية إشارة إيجابية إلى لبنان بعد إبلاغ وزير الزراعة بفتح المنصة المخصصة لاستيراد المنتجات اللبنانية، في خطوة تتجاوز بعدها التجاري المباشر لتشكل رسالة سياسية واقتصادية تعكس استعداد الرياض لإعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية مع بيروت وفق قواعد جديدة تقوم على الثقة والالتزام بالمعايير.

فالقرار يأتي فيما يعاني الاقتصاد اللبناني من واحدة من أسوأ أزماته التاريخية، حيث تراجعت الصادرات، انكمش الإنتاج، واجه القطاع الزراعي تحديات غير مسبوقة نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج، تراجع القدرة الشرائية، وإغلاق عدد من الأسواق التقليدية أمام المنتجات اللبنانية خلال السنوات الماضية.

ويرى خبراء الاقتصاد السياسي أن إعادة فتح المنصة السعودية لا ينبغي النظر إليها كإجراء إداري فحسب، بل كنافذة استراتيجية يمكن أن تعيد رسم خريطة التجارة الزراعية اللبنانية مع دول الخليج، باعتبار السوق السعودية أكبر الأسواق الاستهلاكية العربية وأكثرها قدرة على استيعاب المنتجات الزراعية والغذائية اللبنانية.

فالقرار يمثل فرصة حقيقية للمزارعين اللبنانيين الذين تكبدوا خسائر كبيرة منذ توقف التصدير إلى المملكة، إذ كانت السعودية تستحوذ على نسبة مهمة من صادرات الفاكهة والخضار اللبنانية، إضافة إلى المنتجات الغذائية المصنعة ذات القيمة المضافة.

اقتصادياً، يحمل فتح المنصة ثلاثة مكاسب أساسية:

-أولا، تأمين سوق مستقرة للمنتجات اللبنانية بما يخفف فائض الإنتاج في المواسم الزراعية.

  • ثانيا، إدخال عملات أجنبية يحتاجها الاقتصاد اللبناني بشدة.

-ثالثا، تحفيز المستثمرين على العودة إلى القطاع الزراعي والصناعات الغذائية بعدما أصبح التصدير مجدداً خياراً واقعياً.

لكن المكاسب المحتملة لا تتحقق تلقائياً، إذ إن نجاح هذه الخطوة يرتبط بقدرة الدولة اللبنانية على الالتزام الكامل بالمعايير السعودية، ولا سيما في ما يتعلق بالرقابة على جودة المنتجات، وسلامة عمليات التعبئة والتوضيب، ومنع أي عمليات تهريب قد تهدد استمرارية القرار.

لكن المفارقة أن هذا التطور الإيجابي اصطدم مباشرة بتعطل جهاز السكانر، وهو الجهاز الذي يشكل خط الدفاع الأول في عمليات الكشف والتدقيق على الحاويات قبل تصديرها. ففي عالم التجارة الحديثة، لم تعد المنافسة تقوم فقط على جودة المنتج، بل أيضاً على سرعة إنجاز المعاملات وموثوقية الإجراءات الأمنية والجمركية.

ويرى الخبراء أن استمرار تعطل السكانر في هذه المرحلة الحساسة يبعث برسائل سلبية إلى الشركاء التجاريين، لأنه يطرح علامات استفهام حول جاهزية البنية اللوجستية اللبنانية لاستيعاب عودة الصادرات إلى الأسواق الخليجية، خصوصاً أن المملكة تعتمد منظومة رقابية صارمة لا تسمح بأي هامش للمخاطرة في ما يتعلق بسلامة الواردات.

فالقضية تتجاوز الجانب التقني، إذ تكشف عن مشكلة أعمق تتعلق بقدرة الدولة على إدارة المرافق العامة وتأمين استمرارية الخدمات الأساسية. فإذا كانت منصة الاستيراد قد فُتحت في الرياض، فإن نجاحها يبقى رهناً بقدرة المؤسسات اللبنانية على تأمين سلسلة تصدير متكاملة، تبدأ من المزرعة، مروراً بمراكز الفرز والتوضيب، وصولاً إلى المرافئ والمعابر الحدودية.

ولا يخفى أن تعطل السكانر قد يؤدي إلى تأخير الشحنات، ورفع كلفة التصدير، وربما فقدان بعض العقود التجارية، لأن المنتجات الزراعية سريعة التلف ولا تحتمل فترات انتظار طويلة. كما أن أي خلل في عمليات الكشف قد يدفع المستوردين إلى التردد في إبرام صفقات جديدة، وهو ما يتناقض مع الهدف الأساسي من القرار السعودي.

في كل الاحوال، يبدو أن المملكة تعتمد مقاربة تدريجية في إعادة الانفتاح الاقتصادي على لبنان، تقوم على اختبار المؤسسات الرسمية وقدرتها على تطبيق الضوابط المطلوبة. فإذا أثبتت الدولة اللبنانية نجاحها في إدارة هذا الملف، فقد تتوسع مجالات التعاون لتشمل قطاعات اقتصادية واستثمارية أخرى.

كما أن إعادة تنشيط التبادل الزراعي قد تفتح الباب أمام زيادة الاستثمارات الخليجية في الصناعات الغذائية اللبنانية، وتطوير سلاسل الإنتاج والتوضيب والتخزين، بما يرفع القدرة التنافسية للمنتج اللبناني في الأسواق العربية.

في المقابل، يواجه لبنان تحديات لا يمكن تجاهلها، أبرزها ارتفاع كلفة النقل البحري والبري، وأسعار المحروقات، وضعف البنية التحتية الزراعية، إضافة إلى الحاجة الملحة لتطوير المختبرات الزراعية وأنظمة التتبع الإلكتروني للمنتجات، بما يتوافق مع المعايير الدولية والخليجية.

وتكتسب الخطوة أهمية إضافية في ظل التحولات الاقتصادية الإقليمية، حيث تتجه دول الخليج إلى تعزيز الأمن الغذائي وتنويع مصادر الاستيراد، وهو ما يمنح لبنان فرصة لاستعادة موقعه التقليدي كمصدر للمنتجات الزراعية الطازجة ذات الجودة العالية، إذا أحسن استثمار هذه الفرصة.

وتشير المعطيات إلى أن نجاح المرحلة الأولى من استئناف التصدير قد يشجع على توسيع قائمة المنتجات المسموح بتصديرها، وزيادة الكميات المستوردة، وربما استعادة مستويات التبادل التجاري التي كانت قائمة قبل سنوات، وهو ما سينعكس إيجاباً على آلاف العائلات اللبنانية التي تعتمد في دخلها على القطاع الزراعي.

أما سياسياً، يحمل القرار أيضاً رسالة دعم للدولة اللبنانية ومؤسساتها، إذ إن تعزيز التعاون الاقتصادي غالباً ما يشكل مدخلاً لتوسيع العلاقات الثنائية في مجالات أخرى، خصوصاً إذا ترافق مع إصلاحات اقتصادية وإدارية تعزز ثقة المستثمرين والشركاء العرب.

عليه، فإن فتح المنصة السعودية لاستيراد المنتجات اللبنانية ليس مجرد خبر زراعي، بل تطور اقتصادي واستراتيجي قد يشكل بداية مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية – السعودية. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى إنجاز مستدام يتطلب من لبنان إدارة احترافية، ورقابة صارمة، وخطة وطنية لدعم الصادرات، لأن الأسواق لا تُفتح بالقرارات وحدها، بل تُحفظ بالثقة والجودة والالتزام.

أما إذا نجح لبنان في هذا الاختبار، فقد تكون الزراعة أول القطاعات التي تقود مسار التعافي الاقتصادي، وتعيد ربط الاقتصاد اللبناني بعمقه العربي من بوابة الإنتاج والتصدير.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *