يتساءل البعض عند السير في الشوارع القديمة: لماذا تبدو المباني التاريخية أكثر جمالاً وتفصيلاً من كتل الأسمنت الصماء التي تملأ مدننا اليوم؟ هل فقد المعماريون لمستهم الفنية، أم أن هناك قوى أخرى أسهمت في تشكيل ملامح عالمنا الحديث؟
في تقرير جديد يسلط الضوء على تطور العمارة، يشير الخبراء إلى مفهوم “انحياز البقاء”، فنحن اليوم لا نرى من الماضي إلا أجمل ما فيه؛ تلك المباني التي صمدت لمئات السنين بفضل جودتها وفخامتها، بينما اختفت المباني الرديئة والضعيفة مع مرور الزمن.
هذه المقارنة “غير العادلة” بين قصر من القرن التاسع عشر وموقف سيارات من القرن الحادي والعشرين هي ما تجعلنا نعلن فوز الماضي دائماً.
في الماضي، لم يكن الجمال حكراً على القصور، بل كان يتسلل إلى أدق التفاصيل اليومية؛ من مقابض الأبواب، والأسوار الحديدية المزخرفة، إلى مزاريب الأمطار وأعمدة الإنارة. اليوم، تحولت هذه التفاصيل إلى “إضافات فاخرة” تقتصر على الفنادق الكبرى أو المتاحف، بينما غلبت البساطة والوظيفة على مساكننا اليومية لتقليل التكلفة وزيادة سرعة التنفيذ.
ضريبة الحداثة.. هل خسرنا الرهان؟
رغم الحنين إلى الزخارف القديمة، إلا أن العمارة الحديثة قدمت حلولاً لم تكن موجودة؛ بيوت أكثر صحة، إضاءة طبيعية أفضل، معايير أمان أعلى، وقدرة على استيعاب الانفجار السكاني.
لقد حول “السوق” المبنى إلى أرقام ومساحات ومواعيد تسليم، مما أفقدنا الشعور بالتميز؛ فأصبح بإمكانك رؤية نفس المبنى في دبي، نيويورك، أو طوكيو دون أي بصمة محلية تميزه.
التكنولوجيا.. هل تعيد الروح للمباني؟
لكن القصة لم تنته هنا فالتكنولوجيا التي اتُهمت بقتل التفاصيل، هي نفسها التي قد تعيدها، يبرز “متحف المستقبل” في دبي كأيقونة عالمية تثبت أن العصر الرقمي قادر على صنع المعجزات.
بواجهته المكونة من 1024 قطعة صُنعت بمساعدة الروبوتات، تحولت الخطوط العربية من مجرد زخرفة إلى جزء أصيل من هوية المبنى وهيكله.
إن الطباعة ثلاثية الأبعاد، والقص الرقمي، والتصميم البرامتري، تفتح الباب اليوم لعودة الزخرفة واللون والاختلاف، ولكن برؤية مستقبلية لا تحتاج للعودة إلى أساليب القرن الثالث عشر.
من هو “السارق” الحقيقي؟
في الختام، لا يوجد سارق واحد للجمال؛ فالزمن محا الألوان، والحداثة أعادت تعريف الجمال، والحروب فرضت السرعة، والسوق فرض الأرقام.


