أخبار اقتصادية

عصر النفط الرخيص انتهى؟.. اضطرابات الشرق الأوسط تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية

خفضت السعودية أسعار بيع نفطها إلى آسيا للشهر الثاني على التوالي، في خطوة مفاجئة عكست تحولاً لافتاً في معادلة السوق النفطية، حيث لم يعد سعر البرميل وحده العامل الحاسم في قرارات الشراء، بل أصبحت كلفة نقله عاملاً لا يقل أهمية.

وأظهرت وثيقة تسعير اطلعت عليها “رويترز” أن شركة أرامكو حددت سعر البيع الرسمي لخام “العربي الخفيف” إلى آسيا لشحنات نوفمبر عند خصم قدره 5 دولارات للبرميل عن متوسط خامي عُمان ودبي، بزيادة 3 دولارات في حجم الخصم مقارنة بالشهر السابق، وهو أوسع خصم يُمنح للمشترين الآسيويين منذ يونيو 2020.

مفاجأة من أرامكو

وجاء القرار على خلاف توقعات السوق التي رجحت رفع الأسعار بما يصل إلى 5 دولارات للبرميل، تماشياً مع المكاسب التي سجلتها خامات الشرق الأوسط القياسية خلال الأسابيع الماضية.

سعت الرياض إلى حماية حصتها السوقية في أكبر أسواقها التصديرية، بعدما دفعت الاضطرابات الإقليمية وارتفاع تكاليف الشحن المشترين إلى إعادة حساباتهم الاقتصادية.

وخفضت أرامكو أيضاً أسعار خامي “العربي المتوسط” و”العربي الثقيل” المتجهين إلى آسيا بمقدار 5 دولارات للبرميل، في إشارة إلى اتساع نطاق التخفيضات وعدم اقتصارها على درجة نفطية واحدة.

وكانت مصادر مطلعة قد كشفت في وقت سابق أن الشركة تدرس تقديم خصومات إضافية على الشحنات المحملة عبر سلطنة عُمان، لتعويض العملاء عن القفزة القياسية في تكاليف النقل البحري، في وقت تأثرت فيه تدفقات النفط الإقليمية نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

عكست أرقام الشحن حجم الضغوط التي تواجه المشترين الآسيويين.

وقفزت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة قادرة على نقل مليوني برميل من الخام بين الخليج والصين إلى نحو 1.2 مليون دولار يومياً بنهاية الأسبوع الماضي، مقارنة بنحو 80 ألف دولار يومياً فقط قبل عام، وفق بيانات “إل إس إي جي”.

ورأت مصادر في قطاع التكرير الآسيوي أن تخفيضات الأسعار السعودية استهدفت بالدرجة الأولى تعويض هذه الزيادة الحادة في تكاليف النقل، بما يحافظ على جاذبية الخام السعودي مقارنة بالمنافسين.

مسارات بديلة لنقل النفط

أعادت الاضطرابات الجيوسياسية رسم مسارات تصدير النفط الخليجي وأحيت أهمية البدائل اللوجستية.

واضطرت السعودية خلال الأسابيع الماضية إلى تكثيف عمليات نقل النفط بين السفن خارج مضيق هرمز، ما سمح باستعادة تدفقات الخام عبر الممر الاستراتيجي إلى مستويات ما قبل اندلاع الأزمة.

كما استأنفت تحميل الشحنات من ميناء ينبع على البحر الأحمر بعد توقف مؤقت أعقب هجوماً بطائرة مسيرة استهدف خط أنابيب شرق-غرب، الشريان الرئيسي الذي يربط حقول النفط في شرق المملكة بساحلها الغربي.

فاتورة باهظة.. من يحاسب عليها؟

وزادت هذه التطورات من أهمية خطوط الأنابيب والموانئ البديلة، بعدما كشفت الأزمة أن أمن الإمدادات لم يعد مرتبطاً فقط بحجم الإنتاج، بل أيضاً بقدرة المنتجين على تجاوز نقاط الاختناق البحرية وتعطل مسارات الشحن التقليدية.

انتقلت فاتورة الأزمة تدريجياً إلى المشترين الآسيويين، الذين يعتمدون على الخليج كمصدر رئيسي لإمداداتهم النفطية.

وأصبحت المصافي مطالبة بتحمل مزيج من التكاليف الإضافية يشمل أجور الشحن المرتفعة، ورسوم التأمين، وتأخر وصول الشحنات، فضلاً عن إطالة زمن الرحلات البحرية في بعض المسارات البديلة.

وفي محاولة لامتصاص هذه الضغوط، اختارت السعودية التضحية بجزء من عوائدها السعرية للحفاظ على قدرتها التنافسية داخل السوق الآسيوية، ما يعكس حجم المنافسة المتزايدة بين المنتجين على أكبر مركز استهلاك للطاقة في العالم.

إعادة توزيع علاوة المخاطر

في المقابل، رفعت المملكة أسعار البيع الرسمية إلى أوروبا، في إشارة إلى تباين الظروف بين الأسواق الإقليمية.

وزادت أرامكو أسعار جميع درجات الخام المصدرة إلى شمال غرب أوروبا خلال نوفمبر بمقدار 3 دولارات للبرميل، ما يشير إلى أن الضغوط التي تواجه السوق الآسيوية تختلف عن تلك السائدة في الأسواق الأوروبية.

وتبرز هذه التحركات أن معادلة تسعير النفط العالمية تشهد تحولاً متسارعاً، حيث لم يعد ارتفاع سعر الخام وحده كافياً لتحديد اتجاهات التجارة، بل أصبح أمن الإمدادات وكلفة نقل البرميل جزءاً أساسياً من المنافسة بين كبار المنتجين.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *