عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
شهد السوق العقاري اللبناني خلال حزيران 2026 حركة لافتة، قد توحي للوهلة الأولى بعودة النشاط إلى القطاع، بعدما ارتفع عدد المعاملات العقارية بنسبة 36.77 في المئة على أساس شهري، من 3,655 معاملة في أيار إلى 4,999 معاملة في حزيران. كما ارتفعت القيمة الإجمالية للمعاملات بنسبة كبيرة بلغت 64.65 في المئة، من نحو 33.65 ترليون ليرة إلى 55.40 ترليون ليرة.
لكن قراءة الأرقام على أساس سنوي ترسم صورة أكثر تعقيداً، وتكشف أن ما يبدو انتعاشاً في الحركة الشهرية لا يعني بالضرورة أن القطاع العقاري دخل مرحلة تعافٍ حقيقية.
وبحسب وحدة الأبحاث في بنك الاعتماد اللبناني، بلغ خلال
النصف الأول من عام 2026، عدد المعاملات العقارية 24,096 معاملة، مقارنة بـ33,297 معاملة في الفترة نفسها من عام 2025، أي بانخفاض سنوي قدره 27.63 في المئة. كذلك تراجعت القيمة الإجمالية للمعاملات من نحو 255.50 ترليون ليرة إلى 234.41 ترليون ليرة، بانخفاض بلغ 8.25 في المئة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في السوق العقارية اللبنانية: عدد الصفقات يتراجع بقوة، فيما ترتفع قيمة الصفقة الواحدة.
الصفقة أكبر… لكن السوق أصغر
تكشف البيانات أن متوسط قيمة المعاملة العقارية ارتفع خلال النصف الأول من 2026 إلى نحو 9.73 مليارات ليرة، مقابل 7.67 مليارات ليرة في الفترة نفسها من العام السابق، أي بزيادة بلغت 26.78 في المئة.
وفي حزيران وحده، ارتفع متوسط قيمة المعاملة من نحو 9.21 مليارات ليرة في أيار إلى 11.08 مليار ليرة في حزيران، بزيادة شهرية بلغت 20.38 في المئة.
وهذا الرقم يستحق التوقف عنده، لأن ارتفاع متوسط قيمة الصفقة في ظل تراجع عدد المعاملات يمكن أن يعني أن السوق يتحرك بصورة أكبر في شرائح العقارات الأعلى سعراً، بينما تتراجع قدرة شريحة واسعة من اللبنانيين على دخول السوق.
بمعنى آخر، لا يمكن قراءة ارتفاع القيمة الإجمالية للمعاملات وحده باعتباره مؤشراً على انتعاش شامل. فقد تكون السوق قد أصبحت أكثر انتقائية وأعلى كلفة، وأقل قدرة على استيعاب المشترين من ذوي الدخل المتوسط والمحدود.
حزيران: شهر قوي… لكن هل هو بداية تحول؟
الأرقام الشهرية لحزيران تبدو قوية بوضوح. فقد ارتفع عدد المعاملات من 3,655 إلى 4,999، فيما قفزت قيمتها الإجمالية من 33.65 إلى 55.40 ترليون ليرة.
لكن المقارنة مع النصف الأول من العام السابق تضع هذا الأداء في حجمه الحقيقي.
فعدد المعاملات خلال الأشهر الستة الأولى من 2026 لا يزال أقل بنحو 9,200 معاملة من المستوى المسجل في الفترة نفسها من 2025. أي أن السوق، رغم التحسن الشهري في حزيران، لم يستعد بعد الزخم الذي كان يتمتع به قبل عام.
ومن هنا يمكن القول إن حزيران يحمل إشارة إيجابية، لكنه لا يكفي وحده لإعلان تعافي القطاع العقاري.
فالانتعاش الحقيقي يحتاج إلى أن يتحول التحسن الشهري إلى اتجاه مستمر لعدة أشهر، وأن يترافق مع ارتفاع مستقر في عدد المعاملات، وليس فقط ارتفاع قيمة الصفقات.
لماذا يتراجع عدد المعاملات؟
ثمة عوامل عدة يمكن أن تفسر هذا التناقض.
أولها أن العقار في لبنان تحول، خلال سنوات الأزمة، إلى وسيلة لحفظ القيمة بالنسبة إلى شريحة من أصحاب السيولة، في ظل ضعف الثقة بالقطاع المصرفي وغياب البدائل الاستثمارية الآمنة.
وثانيها أن ارتفاع أسعار العقارات، ولا سيما في المناطق الأكثر طلباً، جعل امتلاك المسكن أكثر صعوبة بالنسبة إلى الطبقة الوسطى، خصوصاً مع استمرار ضعف القدرة الشرائية وغياب التمويل السكني المصرفي الذي كان يشكل أحد المحركات الأساسية للسوق في مراحل سابقة.
وثالثها أن جزءاً من الطلب العقاري أصبح مرتبطاً بالسيولة النقدية المتوافرة لدى فئات محددة، وليس بقاعدة واسعة من المشترين الذين يعتمدون على القروض.
وهذا يفسر، جزئياً، كيف يمكن أن ترتفع قيمة متوسط الصفقة بينما ينخفض عدد الصفقات.
الأجانب يغادرون السوق تدريجياً
المؤشر الآخر الذي لا يقل أهمية يتمثل في حصة الأجانب من عمليات البيع العقاري.
فقد انخفضت هذه الحصة إلى 1.51 في المئة في النصف الأول من 2026، مقارنة بـ2.09 في المئة في كامل عام 2025 و2.36 في المئة في كامل عام 2024.
وهذا التراجع لا يحمل دلالة رقمية فحسب، بل يعكس ضعفاً نسبياً في قدرة السوق اللبنانية على جذب المستثمر العقاري الأجنبي.
فالاستثمار الأجنبي في العقار يحتاج إلى بيئة تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار السياسي والأمني والقانوني، وإلى وضوح في حركة الأموال وإمكان تحويلها وإخراجها، فضلاً عن وجود توقعات إيجابية بشأن الاقتصاد والأسعار.
وفي ظل استمرار المخاطر السياسية والأمنية والاقتصادية، يصبح المستثمر الأجنبي أكثر حذراً في اتخاذ قرار شراء عقار في لبنان، خصوصاً عندما تكون الأسواق الإقليمية الأخرى قادرة على تقديم بدائل أكثر استقراراً.
هل العقار لا يزال ملاذاً آمناً؟
لطالما ارتبط العقار في الوعي اللبناني بفكرة «الأمان». وعندما فقد اللبنانيون الثقة بدرجة كبيرة بالنظام المصرفي، عاد قسم من المدخرات إلى العقار والأراضي.
لكن البيانات الجديدة تطرح سؤالاً مختلفاً: هل العقار ملاذ آمن للجميع، أم أصبح ملاذاً لمن يملك السيولة أصلاً؟
الفارق جوهري.
فإذا كان ارتفاع متوسط قيمة المعاملة ناجماً عن انتقال الطلب نحو العقارات الأغلى، فإن السوق قد تكون تشهد نوعاً من إعادة التركّز، بحيث يصبح النشاط العقاري محصوراً بصورة متزايدة في المستثمرين والأفراد الذين يمتلكون السيولة، فيما تخرج شريحة واسعة من المشترين المحتملين من السوق.
وعندها لا يعود ارتفاع قيمة العقارات مؤشراً كافياً على صحة القطاع.
السوق أمام اختبار القدرة الشرائية
التحدي الأكبر أمام القطاع العقاري اللبناني ليس فقط حجم الطلب، بل نوعية هذا الطلب ومصدر تمويله.
فالسوق العقارية السليمة تحتاج إلى توازن بين الأسعار والدخل، وإلى تمويل طويل الأجل، وإلى ثقة بالمستقبل.
أما عندما تصبح عملية شراء المسكن مرتبطة بصورة أساسية بالسيولة النقدية المتوافرة لدى فئات محدودة، فإن السوق تستطيع تسجيل صفقات مرتفعة القيمة، لكنها تجد صعوبة في تحقيق نمو واسع ومستدام.
ومن هنا تبدو الأرقام أكثر وضوحاً: انخفاض عدد المعاملات بنسبة 27.63 في المئة خلال النصف الأول من العام، بالتزامن مع ارتفاع متوسط قيمة المعاملة بنسبة 26.78 في المئة، يشير إلى أن السوق لم تتعافَ من حيث الاتساع، حتى لو تحسنت من حيث قيمة بعض الصفقات.
ماذا يعني ذلك للمطورين العقاريين؟
البيانات تحمل رسائل مهمة للمطورين أيضاً.
فالمطور الذي يبني على افتراض وجود طلب واسع قد يواجه مخاطر أكبر، بينما يبدو أن السوق أصبحت أكثر حساسية للسعر والموقع ونوعية العقار.
ومن المرجح أن يصبح التركيز أكبر على الوحدات ذات المساحات المدروسة والأسعار القابلة للتسويق، وعلى العقارات التي تستطيع مخاطبة المشترين الذين يمتلكون سيولة فعلية.
كما أن قدرة المطورين على إطلاق مشاريع جديدة ستبقى مرتبطة بمدى قدرتهم على تأمين التمويل، وبسرعة تصريف الوحدات، وبالتطورات الاقتصادية والنقدية في البلاد.
بين الرقم الشهري والاتجاه السنوي
إذا أردنا اختصار المشهد العقاري في لبنان خلال النصف الأول من 2026، فإن الصورة تتكون من أربعة أرقام رئيسية:
24,096 معاملة عقارية خلال النصف الأول من العام.
234.41 ترليون ليرة قيمة هذه المعاملات.
27.63 في المئة انخفاضاً في عدد المعاملات على أساس سنوي.
26.78 في المئة ارتفاعاً في متوسط قيمة المعاملة.
هذه الأرقام الأربعة تقول شيئاً واضحاً: العقار اللبناني ليس في حالة انهيار، لكنه أيضاً لم يدخل مرحلة تعافٍ شامل.
إنه سوق يعيد تشكيل نفسه تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والنقدية، ويصبح أكثر اعتماداً على أصحاب السيولة، وأقل اتساعاً من حيث عدد المشترين.
أما الارتفاع الكبير المسجل في حزيران، فيستحق المتابعة خلال الأشهر المقبلة. فإذا استمر ارتفاع عدد المعاملات والقيمة معاً، فقد يكون ذلك بداية تحول حقيقي. أما إذا عاد عدد الصفقات إلى التراجع، فسيصبح ارتفاع قيمة المعاملة الواحدة دليلاً إضافياً على أن السوق يتحرك في نطاق ضيق، لا على أساس انتعاش شامل.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم أبعد من أرقام التسجيل العقاري: هل يستطيع الاقتصاد اللبناني إنتاج طبقة جديدة من المشترين، أم أن العقار سيبقى سوقاً لمن يملك المال نقداً؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي للقطاع في المرحلة المقبلة.







