أخبار خاصة

بين تصحيح رواتب النواب وتجويع المواطنين… أي عدالة اجتماعية في لبنان؟

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت

في بلدٍ يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه، لا يمكن لأي قرار يتعلق بزيادة مخصصات المسؤولين أن يمر مرور الكرام، خصوصًا إذا جاء في وقت لا يزال فيه معظم الموظفين والمتقاعدين والعمال يدفعون ثمن الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019.

وقد أثارت الأنباء المتداولة عن رفع مخصصات النواب من نحو ثلاثة آلاف دولار إلى خمسة آلاف دولار موجة واسعة من الاستياء الشعبي، ليس لأن النائب لا يستحق تعويضًا يتيح له أداء مهامه، بل لأن توقيت القرار، وحجم الفجوة بين ما يناله ممثلو الشعب وما يعيشه الشعب نفسه، يطرحان سؤالًا جوهريًا حول مفهوم العدالة الاجتماعية وأولويات الدولة.

فالقطاع العام لا يزال يعاني من رواتب فقدت معظم قيمتها الفعلية. آلاف الموظفين الذين كانوا يتقاضون قبل الأزمة ما يعادل ثلاثة أو أربعة آلاف دولار شهريًا، أصبح دخلهم اليوم لا يوازي سوى جزء بسيط من ذلك، حتى بعد الزيادات والمساعدات التي أُقرت خلال السنوات الماضية، وهي زيادات بقي معظمها خارج أساس الراتب، ما انعكس سلبًا على التعويضات، ومعاشات التقاعد، ونهاية الخدمة.

أما العامل في القطاع الخاص، فيواجه بدوره واقعًا لا يقل قسوة، في ظل ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع والخدمات، وتآكل القدرة الشرائية، وغياب أي سياسة جدية لحماية الأجور وربطها بمؤشرات التضخم.

المفارقة أن السلطة السياسية تتحدث باستمرار عن الإصلاح، وعن ضرورة ضبط الإنفاق العام، وعن متطلبات الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، لكنها تبدو أكثر سرعة في معالجة أوضاعها المالية من سرعتها في إنصاف مئات آلاف اللبنانيين الذين تحملوا وحدهم كلفة الانهيار.

ولا يتعلق الأمر بحجم الراتب بحد ذاته، بل بمبدأ المساواة أمام الأعباء. فإذا كانت الدولة ترى أن التضخم يستوجب تصحيح رواتب النواب، فكيف لا ينطبق المنطق نفسه على القضاة، والأساتذة، والعسكريين، والإداريين، والمتقاعدين، وسائر العاملين الذين يشكلون العمود الفقري للإدارة العامة؟

إن أي سياسة للأجور لا تقوم على العدالة والشمولية ستبقى مصدرًا للاحتقان الاجتماعي، لأن المواطنين يقيسون قرارات السلطة بميزان واحد: هل بدأت الدولة بنفسها قبل أن تطلب من الناس المزيد من الصبر والتضحيات؟

إن الأزمة اللبنانية ليست أزمة أرقام فحسب، بل أزمة ثقة. وهذه الثقة لا تُستعاد بزيادة مخصصات المسؤولين، بل بإقرار خطة متكاملة لتصحيح أجور جميع العاملين، وإعادة تكوين الرواتب على أسس عادلة، واحتساب كل الزيادات ضمن أساس الراتب، وضمان حقوق المتقاعدين، وربط الأجور بمعدلات التضخم، بالتوازي مع إصلاحات حقيقية تكافح الهدر والفساد.

فالمواطن اللبناني لم يعد يطلب امتيازات استثنائية، بل يريد عدالة في توزيع الأعباء، ومساواة في الحقوق، وإحساسًا بأن الدولة تقف إلى جانبه كما تقف إلى جانب مسؤوليها.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه اللبنانيون اليوم مشروعًا: إذا كانت الأزمة تستوجب تصحيح رواتب النواب، فلماذا لا تستوجب أولًا إعادة الكرامة المعيشية للمواطن الذي يدفع الضرائب المتلاحقة ، ويتحمل الانهيار، وينتظر منذ سنوات أي بارقة عدالة؟

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *