عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
دخلت أسواق النفط العالمية مرحلة غير مسبوقة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة عالميًا، وسط تصاعد التوترات الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وما يرافقها من مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
ويُعدّ مضيق هرمز شريانًا حيويًا تمر عبره يوميًا كميات ضخمة من النفط والغاز المسال، إذ تنقل عبره صادرات دول الخليج نحو الأسواق العالمية، ولا سيما إلى آسيا. ومع تعطّل المرور في هذا الممر، تواجه السوق العالمية فجأة انقطاعًا يقدَّر بين 11 و13 مليون برميل يوميًا، في ما يصفه محللون بأنه أكبر اضطراب في الإمدادات النفطية يشهده العالم الحديث.
اضطراب يتجاوز نقص الإمدادات
لا تقتصر الأزمة على فقدان كميات كبيرة من الخام، بل تمتد إلى كامل منظومة الطاقة العالمية. فمع تراجع الإمدادات، بدأت المصافي الكبرى، خصوصًا في آسيا، بالدخول في سباق محموم لتأمين الشحنات المتبقية، ما يرفع الأسعار بوتيرة متسارعة ويزيد من حدة المضاربات في الأسواق.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن بعض المصافي الآسيوية بدأت بالفعل خفض معدلات التشغيل نتيجة تعثر وصول الخام الخليجي، فيما تلجأ حكومات إلى دراسة استخدام الاحتياطات الاستراتيجية لتخفيف وقع الصدمة مؤقتًا.
آسيا الحلقة الأضعف
تبدو الاقتصادات الآسيوية الأكثر عرضة لتداعيات الأزمة، نظرًا لاعتمادها الكبير على نفط الخليج. فدول مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بشكل أساسي على التدفقات العابرة لمضيق هرمز، ما يجعلها أول المتضررين من أي تعطّل طويل الأمد.
ويحذر خبراء من أن إعادة فتح المضيق، حتى لو حصلت سريعًا، لن تعني عودة الإمدادات فورًا، إذ تحتاج عمليات الشحن وإعادة تموضع الناقلات وإعادة ترتيب العقود التجارية والتغطية التأمينية إلى أسابيع قبل استعادة وتيرتها الطبيعية.
الأسعار ترتفع… والطلب قد ينهار
في حال استمرار الأزمة، يرجح محللون أن تدخل السوق مرحلة “تدمير الطلب”، وهي الحالة التي ترتفع فيها الأسعار إلى مستويات تجعل الاستهلاك نفسه يتراجع قسرًا، بعدما يصبح الوقود مكلفًا إلى درجة يصعب معها على الشركات والمستهلكين تحمّل الأعباء.
ويعني ذلك عمليًا تباطؤًا اقتصاديًا واسعًا، وعودة شبح الركود التضخمي، حيث يجتمع ارتفاع الأسعار مع تباطؤ النمو، ما يضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة ويهدد باضطرابات أوسع في الأسواق المالية وسلاسل الإمداد العالمية.
أزمة بلا سابقة تاريخية
تكمن خطورة المشهد الحالي في غياب أي سابقة تاريخية مماثلة من حيث حجم الانقطاع المحتمل وتداعياته المتشابكة. فالأزمات النفطية السابقة، من حظر 1973 إلى حرب الخليج والهجمات على منشآت الطاقة الخليجية، بقيت محدودة نسبيًا مقارنة بإغلاق ممر بحجم مضيق هرمز.
وفي ظل غياب تقديرات واضحة لمسار الأزمة أو سقف محتمل للأسعار، تبدو الأسواق العالمية أمام مرحلة من عدم اليقين الحاد، حيث لم تعد أدوات التوقع التقليدية كافية لاحتساب حجم الصدمة المقبلة.
تداعيات تتجاوز الطاقة
لا يقتصر أثر الأزمة على النفط وحده، بل يمتد إلى قطاعات النقل البحري والجوي، وأسعار الغذاء، والتضخم العالمي، وأسواق العملات والسندات، ما يفتح الباب أمام موجة اقتصادية جديدة قد تعيد رسم أولويات الدول الصناعية والناشئة على حد سواء.
وبينما تتواصل الجهود السياسية والعسكرية لتفادي تفاقم المواجهة، يترقب العالم ما إذا كان مضيق هرمز سيعود سريعًا إلى العمل، أم أن الاقتصاد العالمي دخل بالفعل واحدة من أكثر مراحله هشاشة منذ عقود.







