أخبار خاصة

التحويلات المصرفية تفتح الصندوق الأسود: أموالٌ تعود أم ودائع تُدفن؟

ناجي الخوري- سيدرز ريبورت

أنجز مصرف لبنان أول دفعة من المعلومات المتعلقة بالتحويلات المالية التي قام بها أصحاب مصارف ومصرفيون، في إطار تعاونه مع النيابة العامة المالية، تمهيداً لاستدعاء المصارف والأشخاص المعنيين والتحقيق في مسار الأموال التي خرجت من النظام المالي اللبناني، إذ بحسب المعطيات المتداولة، لن تكون الدفعة الأولى سوى بداية لمسار قد يتسع مع وصول دفعات إضافية من البيانات، بما قد يوسّع دائرة التحقيق لتشمل مئات الأشخاص وربما الآلاف.

لكن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة لا تكمن في عدد الأسماء التي ستظهر، ولا في حجم الضجيج السياسي والإعلامي الذي قد يرافقها، بل في السؤال الأكثر حساسية: هل يستطيع لبنان الانتقال من كشف التحويلات إلى إثبات المخالفات، ثم استرداد الأموال ومحاسبة المسؤولين؟

هنا تحديداً يبدأ الاختبار المالي والقانوني الأصعب.
فكشف أن مصرفاً أو مصرفياً حوّل أموالاً إلى الخارج لا يعني تلقائياً أن التحويل غير مشروع. المطلوب هو تحديد توقيت التحويل، مصدر الأموال، الجهة المستفيدة، طبيعة العلاقة بين صاحب الحساب والمصرف، والظروف التي تمت فيها العملية، ولا سيما ما إذا كان المودعون العاديون يخضعون في الوقت نفسه لقيود السحب والتحويل التي لم تطبق بالدرجة نفسها على أصحاب النفوذ.

تفصيل قد يتحول إلى أحد المفاتيح الأساسية في ملف إعادة هيكلة القطاع المصرفي. فلطالما كان قانون الفجوة المالية في صلب المعركة حول كيفية توزيع خسائر الانهيار المصرفي. لكن أي معالجة جادة للفجوة لا يمكن أن تقتصر على احتساب الخسائر وتحديد من يتحملها، بل يفترض أن تترافق مع تحقيق واضح في الأموال التي خرجت من النظام، خصوصاً إذا ثبت أن بعضها تم بصورة مخالفة للقوانين أو على نحو أضرّ بحقوق المودعين.
هنا يمكن للتحقيقات الحالية أن تعيد ترتيب المعادلة.

فإذا تمكنت الدولة من تحديد أموال قابلة للاسترداد وإعادتها إلى النظام المالي، فإن ذلك قد يشكل مورداً إضافياً يمكن احتسابه ضمن عملية معالجة الخسائر، بدلاً من تحميلها بالكامل للمودعين أو المال العام. أما إذا بقيت التحقيقات في إطار تبادل الاتهامات من دون إجراءات قضائية لاسترداد الأموال، فلن يكون لها أثر فعلي على حجم الفجوة.

من هذه الزاوية، تصبح قضية التحويلات جزءاً من الهندسة المالية لقانون الفجوة، لا مجرد ملف قضائي منفصل، اذ ان المسألة الأكثر حساسية ستكون علاقتها بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، الذي كان
سبق أن شدد، في إطار برنامج لبنان، على ضرورة معالجة خسائر القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، وتعزيز الشفافية والحوكمة واستعادة سلامة القطاع المالي، كما ربط إصلاحات أساسية بتعزيز قدرة السلطات على كشف الجرائم المالية والتحقيق فيها واسترداد الأصول.

لذلك، فإن فتح ملفات التحويلات يمكن أن يكون رسالة إيجابية للصندوق، لكن بشرط أن يتحول إلى نتائج قابلة للقياس: تحديد المسؤوليات، استرداد الأموال، تعزيز استقلالية التحقيق، وتوفير إطار قانوني واضح لإعادة هيكلة المصارف، حيث أن الاكتفاء بنشر لوائح أو استدعاء شخصيات مصرفية، فلن يكون كافياً لإقناع المؤسسات الدولية بأن لبنان بدأ فعلاً معالجة جذور الأزمة.

أما بالنسبة إلى المودعين، تكمن أهمية الملف في أن استعادة الثقة لن تبدأ من الوعود السياسية، بل من معرفة أين ذهبت الأموال ومن يتحمل المسؤولية عن الخسائر.

فعودة الودائع، ولو بصورة تدريجية، تحتاج إلى قطاع مصرفي جديد قادر على العمل بميزانيات نظيفة ورؤوس أموال حقيقية، وإلى تحديد الخسائر بصورة شفافة، ثم توزيعها وفق قواعد واضحة. ولا يمكن بناء هذا القطاع على افتراض أن المودع وحده يجب أن يدفع ثمن الانهيار.

من هنا، فإن استرداد الأموال المحوّلة بصورة غير مشروعة، متى ثبت ذلك قضائياً، يجب أن يكون أحد مكونات الحل وليس بديلاً عنه.

بدوره القطاع المصرفي يدخل مرحلة مختلفة. فإعادة الهيكلة لن تعني فقط دمج مصارف أو إقفال مؤسسات متعثرة، بل إعادة بناء الثقة بين المصرف والمودع والدولة والجهات الرقابية، وهو ما يتطلب تمييزاً واضحاً بين المصارف القابلة للحياة وتلك التي لا تستطيع الاستمرار، وتحديد فجوة كل مصرف، ومصادر رسملته، ومصير كبار المساهمين، ومسؤولية الإدارة عن الخسائر.

الأهم أن العملية يجب ألا تتحول إلى وسيلة لحماية الملكيات القائمة على حساب المودعين. فالمبدأ المالي السليم في معالجة الأزمات المصرفية هو أن رأس المال يتحمل الخسائر قبل أموال المودعين المحمية قانوناً، مع اعتماد آليات واضحة لتسوية أوضاع المصارف المتعثرة. وهذا يتسق مع جوهر الإصلاحات التي ربط بها صندوق النقد إعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة صحته.

عليه، قد تكون دفعة المعلومات التي أنجزها مصرف لبنان بداية لواحد من أكثر الملفات حساسية منذ انفجار الأزمة المالية. لكن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.
فالمعركة تبدأ عندما تتحول البيانات إلى أدلة، والأدلة إلى أحكام، والأحكام إلى أموال مستردة، والأموال المستردة إلى جزء من حل الفجوة وإعادة بناء القطاع المصرفي.
عندها فقط يمكن الحديث عن بداية حقيقية لطريق استعادة الودائع واستعادة الثقة، وبالتالي عن لبنان يقترب فعلاً من شروط التعافي والاتفاق مع صندوق النقد، لا لبنان الذي يكتفي بإنتاج الملفات والعناوين.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *