ناجي الخوري
حين تتقدم حسابات الدولار والفائدة والسيولة على غريزة الملاذ الآمن… هل يفقد المعدن الأصفر بريقه أم أن الأسواق تعيد تسعير الخوف؟ سؤال يطرح كل يوم، أما اجابته تبقى في مهب التحليلات والتقديرات.
فالمفارقة التي تفرض نفسها على المشهد الاقتصادي العالمي اليوم أن الذهب، الذي طالما ارتبط اسمه بالحروب والأزمات والانهيارات المالية، يتراجع في الوقت الذي تتسع فيه بؤر التوتر العسكري، وترتفع المخاوف من مواجهة إقليمية أوسع، وتزداد الضبابية حيال مستقبل الاقتصاد العالمي. فكيف يمكن للمعدن الأصفر، الذي يُفترض أن يكون الملاذ الأخير للمستثمرين عند اشتعال الأزمات، أن يفقد جزءاً كبيراً من قيمته في لحظة يفترض أن تكون من أكثر اللحظات ملاءمة لصعوده؟
اكيد ان المسألة ليست في تراجع المخاطر الجيوسياسية، ولا في انحسار الطلب على الأصول الآمنة بالضرورة، بل في حقيقة أكثر تعقيداً: الذهب لا يتحرك وفق مستوى الخوف وحده، وإنما وفق تفاعل مجموعة من المتغيرات النقدية والمالية والنفسية، قد تكون في بعض المراحل أقوى تأثيراً من الحروب نفسها. فالأسواق لا تقرأ الحرب باعتبارها حدثاً عسكرياً فحسب، بل تحاول استباق انعكاساتها على التضخم وأسعار الطاقة والسياسات النقدية وحركة العملات وتكلفة التمويل. وهنا تحديداً تبدأ المفارقة.
أول العوامل التي تفسر التراجع يتمثل في قوة الدولار الأميركي وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية. فالذهب أصل لا يدرّ عائداً دورياً، خلافاً للسندات والودائع والأدوات المالية ذات الفائدة. وعندما ترتفع عوائد السندات، تصبح كلفة الاحتفاظ بالذهب أعلى من الناحية الاستثمارية، إذ يتخلى المستثمر عن عائد كان بإمكانه تحقيقه في أدوات أخرى مقابل الاحتفاظ بمعدن لا يولّد دخلاً. وإذا ترافق ذلك مع ارتفاع الدولار، تتضاعف الضغوط، لأن الذهب المسعّر بالعملة الأميركية يصبح أكثر كلفة على حائزي العملات الأخرى، ما يحد من الطلب عليه.
هذا ما ظهر بوضوح خلال الأشهر الأخيرة. فوفق مجلس الذهب العالمي، تراجع المعدن الأصفر بنسبة 8.5 في المئة خلال أيلول 2026، متأثراً بارتفاع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية، رغم تسجيل صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب تدفقات نقدية إيجابية بنحو 10 مليارات دولار. وهذه المفارقة تكشف أن تراجع السعر لا يعني بالضرورة اختفاء الرغبة في امتلاك الذهب، بل قد يعكس اختلافاً بين سلوك المستثمر طويل الأجل ومضاربات الأسواق الآنية.
العامل الثاني يرتبط بالحرب نفسها، ولكن من زاوية غير متوقعة. فارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات العسكرية، بدلاً من أن يكون داعماً تلقائياً للذهب، قد يتحول إلى عنصر ضغط عليه، فزيادة أسعار الطاقة ترفع كلفة الإنتاج والنقل، وتغذي التضخم، وتدفع المصارف المركزية إلى التريث في خفض أسعار الفائدة، أو حتى التفكير في تشديد السياسة النقدية إذا استمرت الضغوط التضخمية.
بمعنى آخر، قد تؤدي الحرب إلى ارتفاع النفط، فيرتفع التضخم، فتزداد احتمالات بقاء الفائدة مرتفعة، فتتحسن جاذبية الدولار والسندات، ويتراجع الذهب. وهكذا يصبح الحدث الذي يفترض أن يدفع المستثمرين نحو المعدن الأصفر أحد الأسباب غير المباشرة لانخفاض سعره.
وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل الموقف النقدي الأميركي. فقد أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.75 إلى 4 في المئة في اجتماعه الأخير في تشرين الأول، وسط انقسام داخل أروقة المؤسسة النقدية حيال الخطوة المقبلة، وتزايد الرهانات على احتمال رفع الفائدة مجدداً في كانون الأول. وهذا يعني أن الأسواق لم تعد تتعامل مع خفض الفائدة باعتباره مساراً مضموناً، بل باتت تسعّر احتمال استمرار التشدد النقدي، وهو تطور لا يصب في مصلحة الذهب.
أما العامل الثالث، فيتصل بطبيعة الارتفاعات الاستثنائية التي سجلها الذهب سابقاً. فالمعدن الأصفر لم يصل إلى مستوياته القياسية بفعل الحروب وحدها، بل استفاد أيضاً من عمليات شراء واسعة من المصارف المركزية، ومخاوف تآكل قيمة العملات، وتراجع الثقة بالمنظومة المالية الدولية، إضافة إلى تدفقات المضاربين وصناديق الاستثمار. وعندما تتراكم المراكز الشرائية عند مستويات مرتفعة، يصبح جني الأرباح أمراً طبيعياً، بل ضرورياً أحياناً لتصحيح الأسعار.
هنا تدخل الأسواق في مرحلة مختلفة: المستثمر الذي اشترى الذهب عند مستويات منخفضة قد يقرر البيع لتثبيت أرباحه، فيما يفضل مستثمر آخر الانتظار بدلاً من الشراء عند القمم. ومع كسر مستويات دعم فنية مهمة، تتحول عمليات البيع المحدودة إلى موجة أوسع، بفعل أوامر التداول الآلية وتصفية المراكز المضاربية.
أمر يظهر في التراجع الحاد الذي شهده المعدن الأصفر في نهاية تشرين الأول، حين هبط دون عتبة أربعة آلاف دولار للأونصة، مسجلاً نحو 3899 دولاراً عند إقفال إحدى جلسات التداول، بعدما خسر قرابة 10 في المئة خلال الشهر.
لكن ثمة عامل رابع لا يقل أهمية، وهو ما يمكن تسميته “الفرار إلى السيولة بدلاً من الفرار إلى الذهب”. ففي أوقات الاضطرابات المالية الحادة، لا يتصرف المستثمرون دائماً وفق القواعد التقليدية. عندما تتعرض الأسهم لخسائر كبيرة، أو تواجه المحافظ الاستثمارية طلبات لتغطية الهوامش والالتزامات، قد يضطر المستثمر إلى بيع الأصول التي يملكها، بما فيها الذهب، للحصول على النقد السائل. أي أن الذهب قد يتحول مؤقتاً من ملاذ آمن إلى مصدر سيولة لتغطية خسائر في أسواق أخرى.
هذا ما أشار إليه محللون في تفسير موجة الهبوط الأخيرة، معتبرين أن تراجع الأسهم والضغوط على المحافظ الاستثمارية ساهما في تسريع عمليات بيع الذهب، خصوصاً بعد كسر مستويات سعرية كانت تشكل نقاط دعم رئيسية.
في المقابل، سيكون من الخطأ قراءة هذا التصحيح السعري باعتباره نهاية الدور الاستراتيجي للذهب. فهناك فارق كبير بين التراجع المضاربي قصير الأجل والتحولات البنيوية التي تدعم الطلب عليه على المدى المتوسط والطويل. فالمصارف المركزية لا تزال تنظر إلى الذهب باعتباره أداة لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار، في وقت تتزايد فيه المخاوف من المديونية السيادية الأميركية، واتساع العجز المالي، واستخدام العملات والعقوبات الاقتصادية أدوات في الصراعات الدولية.
كما أن استمرار الحروب، وتراجع الثقة بالاستقرار السياسي والمالي، واحتمالات إعادة تشكيل النظام النقدي العالمي، كلها عوامل لم تختفِ لمجرد أن الأسعار تراجعت. بل إن مجلس الذهب العالمي يرصد استمرار التدفقات الاستثمارية إلى الصناديق المدعومة بالذهب، فيما تشير استطلاعات السوق إلى أن الطلب الرسمي والمشتريات الآسيوية لا يزالان من عناصر الدعم الأساسية للمعدن الأصفر.
عليه، فإن السؤال الحقيقي لم يعد لماذا لا يرتفع الذهب مع كل حرب، بل أي نوع من الأزمات يستطيع أن يمنحه زخماً مستداماً؟ فالحرب التي ترفع أسعار النفط وتزيد التضخم وتدفع الفيدرالي إلى التشدد تختلف في تأثيرها عن أزمة تضرب الثقة بالدولار أو تهدد استقرار النظام المالي العالمي. في الحالة الأولى قد ينتصر الدولار والفائدة على الذهب، وفي الثانية قد يستعيد المعدن الأصفر موقعه بوصفه مخزناً للقيمة خارج المنظومة النقدية التقليدية.
أما بالنسبة إلى المستثمرين، فالرسالة الأهم هي عدم التعامل مع الذهب باعتباره استثماراً مضمون الربح بمجرد اندلاع الحروب. فالمعدن الأصفر ليس بوليصة تأمين ضد كل المخاطر، ولا يتحرك في خط مستقيم، بل يخضع لدورات صعود وتصحيح تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والنقدية والسياسية.
هكذا، فأن الذهب لا يتراجع لأن العالم أصبح أكثر أماناً، بل لأن كلفة الخوف باتت تُقاس بالدولار والفائدة والسيولة، وليس بالحروب وحدها. وقد تكون المفارقة أن استمرار التصعيد العسكري لا يشكل بالضرورة إشارة شراء فورية، بل إن بعض تداعياته الاقتصادية قد تضغط على المعدن نفسه.
ففي عالم تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الاقتصاد والسياسة والحروب، لم يعد الذهب مجرد مرآة للخوف، بل أصبح مرآة للصراع بين الملاذ الآمن وقوة الدولار. والسؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت الحروب ستستمر، بل ما إذا كانت السياسة النقدية الأميركية ستبقى قادرة على جعل الاحتفاظ بالدولار والسندات أكثر جاذبية من الاحتفاظ بالذهب.







