ناجي الخوري
لم يكن توقيت الطعن الذي تقدّم به رئيس الجمهورية في المادة الثالثة من قانون إعادة هيكلة المصارف تفصيلاً ثانوياً في المشهد الاقتصادي اللبناني. فالطعن أُعلن في لحظة كان رئيس الحكومة نواف سلام في واشنطن، وفي خضم اتصالات لبنانية مكثفة مع صندوق النقد الدولي، بهدف الانتقال من مرحلة الإصلاحات التشريعية إلى اتفاق جديد على مستوى الموظفين، بعدما اعتبر الصندوق إقرار تعديلات قانون إعادة هيكلة المصارف خطوة أساسية إلى الأمام.
هنا تحديداً تكمن حساسية المسألة. فصندوق النقد لن يتعامل مع الطعن باعتباره مواجهة دستورية لبنانية، ولا يُتوقع منه أن يدخل في سجال حول صلاحيات رئيس الجمهورية أو الحكومة أو مصرف لبنان. المعيار الذي أعلنه الصندوق واضح: هل سيبقى القانون، بصيغته النهائية، منسجماً مع المعايير الدولية وقادراً على تأمين إعادة هيكلة مصرفية فعّالة؟
واضح أن رسالة الصندوق جاءت واضحة وسريعة على لسان مدير إدارة الاتصالات جولي كوزاك، التي قالت إن القانون الذي أقره البرلمان في آب يتوافق، في نظر الصندوق، مع المعايير الدولية، وإن أي تغييرات قد تنتج عن مراجعة المجلس الدستوري ستخضع للتقييم مجدداً، على أساس مدى انسجامها مع هذه المعايير.
عملياً يعني ذلك، أن الصندوق لا يعتبر الطعن نهاية المسار، لكنه في الوقت نفسه لن يتعامل معه كأنه لم يحدث. فالمادة الثالثة ليست مجرد فقرة تقنية معزولة، بل تتصل بالإطار القانوني الذي يحكم عملية إعادة هيكلة المصارف وبالعلاقة بين القانون الجديد وقانون النقد والتسليف وصلاحيات مصرف لبنان. وقد أُثيرت بالفعل مخاوف قانونية حول احتمال تعارض الصيغة المطعون بها مع المرجعية القانونية الناظمة للعمل النقدي والمصرفي.
لذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر واقعية بالنسبة إلى الصندوق سيكون انتظار المسار الدستوري مع إبقاء الضغط الإصلاحي قائماً. فإذا أبقى المجلس الدستوري المادة على حالها، يستطيع الصندوق تقييم النتيجة النهائية ضمن الإطار الذي أقره البرلمان. أما إذا أُبطلت المادة أو عُدلت، فسيدرس الصندوق النص البديل، لا انطلاقاً من سؤال من ربح سياسياً في بيروت، بل من سؤال أكثر مباشرة: هل ما زالت آلية إعادة الهيكلة مستقلة وشفافة وفعّالة، وهل تحافظ على ترتيب الخسائر وحقوق الدائنين والمودعين، وتمنع استخدام المال العام بطريقة تهدد الاستدامة المالية؟
أهمية هذا العامل تزداد لأن الصندوق وضع دخول قانون إعادة هيكلة المصارف حيّز التنفيذ ضمن المكونات الأساسية المطلوبة للوصول إلى اتفاق على مستوى الموظفين. وإلى جانبه، يشترط الصندوق إحراز تقدم في قانون الفجوة المالية، وموازنة 2027، وإطار مالي متوسط الأجل متوافق مع استدامة الدين، فضلاً عن إصلاحات في الإدارة المالية والحوكمة.
بمعنى آخر، فإن الطعن وحده لا يُسقط مسار التفاوض، لكنه يمكن أن يضيف عقدة جديدة إلى طريق الاتفاق إذا أدى إلى تأخير دخول القانون حيّز التنفيذ أو إلى تعديلات يرى الصندوق أنها تفرغ الإصلاح من مضمونه.
هنا تصبح الكرة في ملعب لبنان أكثر منها في ملعب الصندوق. فالصندوق سبق أن أظهر مرونة في التعامل مع الصياغات اللبنانية، لكنه يريد في المقابل ضمانة بأن التشريعات لا تسمح بالعودة إلى المنظومة التي أنتجت الأزمة المصرفية. وقد شدد في مراجعاته السابقة على استقلالية وشفافية وفاعلية عملية معالجة المصارف، وعلى احترام ترتيب تحمّل الخسائر، بحيث لا تُحمّل الودائع الخسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة.
الأهم أن واشنطن لن تنظر إلى قانون المصارف بمعزل عن قانون الفجوة المالية. فحتى لو تم احتواء أزمة المادة الثالثة، يبقى السؤال الأصعب: كيف ستوزع الدولة خسائر الأزمة المالية، المقدرة تاريخياً بنحو 70 مليار دولار أو أكثر، بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين؟ وهذا الملف، بحسب صندوق النقد، يبقى شرطاً أساسياً للانتقال إلى برنامج تمويلي كامل.
عليه، فإن الرسالة الاقتصادية الأبرز من الطعن ليست أن الاتفاق مع صندوق النقد أصبح مستحيلاً، بل أن الطريق إليه أصبح أكثر حساسية للوقت وللصياغة القانونية. فالصندوق يستطيع انتظار حكم المجلس الدستوري وإعادة تقييم النص، لكنه لن يستطيع توقيع برنامج على أساس إصلاحات غير نافذة أو غير منسجمة مع معاييره.
اللافت أن توقيت الطعن، خلال وجود سلام في واشنطن، قد يجعل الملف أكثر إحراجاً للحكومة، لأن الوفد اللبناني كان يحاول تقديم إقرار قانون إعادة الهيكلة باعتباره دليلاً على جدية الدولة في تنفيذ الإصلاحات. وقد رحبت المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا، خلال لقائها سلام، بالتقدم المحقق، وربطت الخطوة بالتقدم نحو برنامج جديد.
من هنا، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في واشنطن وحدها ولا في بيروت وحدها، بل في المسافة بينهما: هل يستطيع لبنان تصحيح المادة الثالثة من دون أن يصطدم بجوهر الإصلاح المصرفي الذي قبله صندوق النقد؟ إذا بقيت الإجابة نعم، فإن الطعن يمكن أن يتحول إلى مسار تصحيحي محدود.
أما إذا أدى إلى تعطيل القانون أو إفراغه من الأدوات التي يعتبرها الصندوق ضرورية، فسيتحول الملف من خلاف دستوري على مادة واحدة إلى اختبار جديد لصدقية لبنان الإصلاحية، وقد ينعكس مباشرة على توقيت الاتفاق وعلى الثقة بالمسار الاقتصادي برمته.








