عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
أظهرت نتائج تقرير “المراجعة الماكرو اقتصادية” الصادر عن مصرف لبنان حتى نهاية كانون الأول 2025، أن الاقتصاد اللبناني أنهى العام بإشارات متناقضة: بعض التحسن الظرفي في قطاعات محددة، مقابل استمرار الضعف البنيوي في الطلب والاستثمار والثقة الاقتصادية.
ويعتمد التقرير على استطلاع دوري لآراء المؤسسات في قطاعات الصناعة والتجارة والبناء والفنادق والمطاعم، عبر مؤشرات تقيس الفارق بين الشركات التي سجّلت تحسناً وتلك التي شهدت تراجعاً، ما يسمح برصد المزاج الاقتصادي العام وليس فقط النتائج المالية المباشرة.
في القطاع الصناعي، جاءت المؤشرات الأكثر إثارة للقلق، إذ تراجعت حصيلة الآراء المتعلقة بإجمالي الطلب من 2 في الربع الثالث إلى -9 في الربع الرابع 2025، كما انخفض الإنتاج من 1 إلى -9، والاستثمار من -8 إلى -11، فيما تراجعت الطلبات من -24 إلى -30. هذه الأرقام تعكس بوضوح أن القطاع الصناعي لا يزال يعاني من ضعف الطلب المحلي وارتفاع كلفة التشغيل، إضافة إلى غياب الرؤية الاستثمارية طويلة الأجل.
ورغم هذا المشهد السلبي، برز عنصر إيجابي يتمثل بتحسن الطلب الخارجي من -17 إلى -4، ما يشير إلى أن المؤسسات الصناعية بدأت تستفيد تدريجياً من الأسواق الخارجية أو من تحسن تنافسية بعض المنتجات اللبنانية نتيجة استمرار الاقتصاد النقدي وضعف الكلفة بالعملة المحلية مقارنة بالأسواق الإقليمية. إلا أن هذا التحسن يبقى غير كافٍ لتعويض انكماش السوق الداخلية.
أما في القطاع التجاري، فسجلت المبيعات تحسناً من 12 إلى 5 مقارنة بمستويات سلبية في 2024، ما يعكس نشاطاً موسمياً مرتبطاً بفترة الأعياد وتحويلات المغتربين وزيادة الإنفاق الاستهلاكي المؤقت. لكن تراجع المبيعات المتوقعة من 4 إلى 1 يكشف أن التجار أنفسهم لا يرون هذا التحسن قابلاً للاستمرار، بل يعتبرونه ظرفياً أكثر منه مؤشراً على انتعاش فعلي.
في البناء، تحسّن مؤشر مجمل الأعمال من -21 إلى -13، مقارنة بـ -46 قبل عام، ما يدل على بعض الحركة في المشاريع الجارية أو أعمال الترميم والاستثمار المحدود. لكن تراجع محفظة المشاريع من -49 إلى -53 يطرح إشارة سلبية واضحة: السوق العقارية لا تزال تفتقد مشاريع جديدة، ما يعني أن التحسن الحالي قد يكون ناتجاً عن استكمال مشاريع قديمة لا عن دورة استثمارية جديدة.
قطاع الفنادق والمطاعم قدّم الصورة الأكثر ازدواجية. فقد تحسن معدل إشغال الفنادق من 22 إلى 38، وتحسنت حجوزات الفنادق من -52 إلى -25، مستفيداً من عودة المغتربين وموسم الأعياد. لكن في المقابل، هبط معدل دوران المطاعم من 40 إلى 5، ما يعكس تحوّلاً في سلوك المستهلك اللبناني: الإنفاق على السفر والإقامة أو السياحة العائلية بقي قائماً نسبياً، بينما الإنفاق اليومي أو الترفيهي داخل السوق المحلية أصبح أكثر حذراً.
عملياً، تُظهر هذه النتائج أن الاقتصاد اللبناني في نهاية 2025 لم يدخل بعد مرحلة تعافٍ مستدام، بل يعيش ما يمكن وصفه بـ”تعافٍ انتقائي وموسمي”، مدفوعاً بعوامل خارجية كتحويلات المغتربين والطلب الخارجي والمواسم السياحية، لا بتحسن داخلي في بنية الاقتصاد أو مناخ الأعمال.
وبالتالي، فإن قراءة الأرقام توحي بأن أي تحسن حقيقي في 2026 سيبقى مشروطاً بثلاثة عناصر أساسية: استقرار سياسي وأمني، تقدم فعلي في الإصلاحات المالية والنقدية، واستعادة تدريجية للثقة تسمح بعودة الاستثمار الخاص إلى السوق المحلية. من دون ذلك، سيبقى الاقتصاد اللبناني يدور في حلقة من التحسن المؤقت يتبعها تباطؤ متكرر.







