أصبحت المكالمات الاحتيالية المدعومة باستخدام الذكاء الاصطناعي أكثر إقناعاً وأكثر شيوعاً، الأمر الذي يتطلب المزيد من الحذر والتحقق لعدم الوقوع في الفخ… هذا الفخ تسبب بخسائر تصل إلى 3.5 مليار دولار خلال عام 2025، بحسب لجنة التجارة الفدرالية الأميركية.
في إحدى حوادث الاحتيال، كانت كريس سامبسون تعمل من منزلها في ميسولا، في ولاية مونتانا الأميركية، عندما رنّ هاتفها بمكالمة بدت وكأنها من ابنتها البالغة.
تقول سامبسون إنّ معرف المتصل أظهر اسمها وصورتها. لكن عندما أجابت، سمعت ما بدا وكأنه بكاء ابنتها.
وتروي لـ CNBC Make It: “كان صوتها، أعرف بكاءها الخائف. ظننتُ أنها ربما تعرضت لحادث سيارة”.
بعد لحظات، ردّ رجل على الخط، كما تقول سامبسون. تحدث بهدوء في البداية، مستخدماً اسمها الأول وسألها إن كانت والدة ابنتها.
ثم تغيرت نبرته. تقول سامبسون إنه بدأ بالصراخ والتهديد والمطالبة بالمال، محذراً إياها من الاتصال بالشرطة أو محاولة الوصول إلى ابنتها.
تقول سامبسون إنها شاهدت تقريراً إخبارياً عن عمليات احتيال مماثلة تتعلق بالاختطاف، حيث ينتحل المتصلون صفة أفراد من العائلة في محنة ويطلبون المال. لكن صوت ابنتها بدا حقيقياً للغاية، كما تقول، فلم ترغب في المخاطرة بأن تكون مخطئة. ثم سمعت ابنتها تقول “أمي”، وهو ما جعلها، كما تقول، أكثر صعوبة في تصديق أنها عملية احتيال.
تصف سامبسون إحساسها بالقول: “كان ذلك أكثر شعور بالخوف مررت به في حياتي”. وتروي أنها أخبرت المتصلة أنها سترسل المال، لكنها ظلت تطلب التحدث إلى ابنتها كلما ازدادت المتصلة عدوانية. وتضيف أن المتصلة طلبت المال عبر باي بال، لكنها لم تحدد مبلغاً معيناً.
وعندما لم تتمكن من الوصول إلى ابنتها مباشرة، تقول إن ذعرها ازداد. ولكن بعد حوالي 15 إلى 20 دقيقة من المكالمة الأولى، تم العثور على ابنة سامبسون في مكان عملها بعد أن ابتعدت قليلًا عن مكتبها. وبعد ذلك بوقت قصير، توقفت المكالمات ولم تُستأنف. وتقول سامبسون إنه لم يتم التعرف على هوية المتصلة.
في الأسابيع التي تلت ذلك، تقول سامبسون إن هذه التجربة تركتها في حالة صدمة. فأصبحت أكثر حذراً في المنزل، وتتأكد من إحكام إغلاق الأبواب وتولي اهتمامًا أكبر لما يحيط بها. كما قامت بتغيير إعدادات هاتفها.
“لا أريد أن أسمع نغمة الرنين تلك مرة أخرى أبداً”، كما تقول.
أما عن مواجهة هذه الحالات عبر القانون، تشير سامبسون إلى أن المحققين أخبروها أن الشرطة لا تستطيع فعل الكثير لأن تتبع المكالمات صعب. ورغم أن الشرطة لم تناقش حالة سامبسون بالتحديد، إلا أنها أفادت بتلقيها بلاغات عن عمليات احتيال مماثلة، حيث ينتحل المحتالون شخصيات أفراد من العائلة ويطلبون المال.
وتقول الضابطة ويتني بينيت، المتحدثة باسم شرطة بلدة ميسولا، في ولاية مونتانا الأميركية: “ما تطور في السنوات الأخيرة هو مستوى التطور في أساليب الاحتيال”.
ووفقاً للجنة التجارة الفيدرالية، كانت عمليات الاحتيال بانتحال الشخصية أكثر أنواع الاحتيال شيوعاً العام الماضي. فقد ارتفعت الحالات بنحو 19% لتصل إلى مليون حالة تقريباً في عام 2025، بينما تجاوزت الخسائر 3.5 مليار دولار.
ومع لجوء المحتالين إلى أدوات تحاكي الأصوات وتجري محادثات فورية، بات حتى مجرد الرد على الهاتف يحمل مخاطر جديدة.
لماذا أصبح الرد على الهاتف مختلفاً الآن؟
يقول إيان بيدنويتز، المدير العام لقسم الهوية والخصوصية في شركة LifeLock، المتخصصة في حماية الهوية من السرقة، إن عمليات الاحتيال الصوتي تُغير طريقة استخدام الناس للهواتف.
لعقود، كان سماع صوت مألوف أو رؤية رقم معروف كافياً في كثير من الأحيان للدلالة على الثقة. لكن هذا الافتراض يتلاشى مع تمكّن المحتالين من الوصول إلى أدوات تُحاكي الأصوات وتُزوّر أرقام المتصلين، كما يقول بيدنويتز.
ويضيف: “لا ينبغي عليك الرد على هاتفك”، خاصةً إذا كان المتصل مجهولًا أو غير متوقع. ويشمل ذلك المكالمات التي تبدو وكأنها واردة من البنوك أو مصلحة الضرائب الأميركية. فمصلحة الضرائب عادةً ما تبدأ التواصل عبر البريد، ولا تتصل عادةً للمطالبة بدفع فوري أو التهديد بالاعتقال، وفقاً للمصلحة.
حتى المكالمات التي تبدو وكأنها واردة من شخص تعرفه يُمكن تزييفها. في معظم الحالات، لا يحتاج المحتالون إلى الكثير لجعل المكالمة تبدو حقيقية. فعندما ينتحلون شخصية شخص تعرفه، قد تكفي معلومات محدودة.
يقول بيدنويتز إنه يمكن استخدام مقاطع صوتية قصيرة مأخوذة من وسائل التواصل الاجتماعي أو الرسائل الصوتية أو تسجيلات أخرى لإنشاء نسخة اصطناعية من صوت شخص ما. ثم يُدمج هذا الصوت مع بيانات هوية المتصل المزيفة ومعلومات شخصية – كالأسماء وأماكن العمل والعلاقات الأسرية – لخلق مكالمة تبدو فورية ومحددة.
من جانبه، يقول مايكل برومر، نائب رئيس قسم اختراق البيانات العالمية وحماية المستهلك في شركة إكسبيريان، إن أدوات استنساخ الصوت باتت تعمل الآن مع عينات صوتية قصيرة جداً، تصل أحياناً إلى ثلاث ثوانٍ فقط.
وفي الوقت نفسه، تغير نطاق هذه الاحتيالات. يقول بيدنويتز إن الاحتيال أصبح “صناعيًا”، حيث تدير شبكات منظمة عمليات منسقة عبر الحدود. ويضيف أن العديد منها يتمركز في آسيا وأفريقيا، ويعمل كشركات، حيث يتولى العاملون إجراء المكالمات وكتابة النصوص والتواصل على نطاق واسع.
وفي بعض الحالات، قد يكون هؤلاء العاملون أنفسهم ضحايا، حيث يتم تجنيدهم تحت ذرائع كاذبة وإجبارهم على تنفيذ عمليات احتيال، على حد قوله.
أكثر من 75% من الجرائم الإلكترونية تنبع الآن من عمليات الاحتيال وأساليب الهندسة الاجتماعية مثل هذه، وفقاً لشهادة بيدنويتز أمام اللجنة الفرعية للخدمات المالية بمجلس النواب في سبتمبر 2025.
تتزايد عمليات الاحتيال هذه بسرعة أيضاً. فقد تضاعفت الخسائر الناجمة عن عمليات الاحتيال عبر وسائل التواصل الاجتماعي وحدها ثماني مرات منذ عام 2020، لتصل إلى حوالي 2.1 مليار دولار أميركي في عام 2025، وفقاً للجنة التجارة الفيدرالية الأميركية.
وقد يستمر هذا الرقم في الارتفاع. ففي دراسة أجرتها جامعة روتجرز عام 2025، بنى الباحث سانكيت باد نظام ذكاء اصطناعي قادراً على تنفيذ مكالمات هاتفية احتيالية من البداية إلى النهاية، ويعمل بشكل مستقل تماماً. ويقول: “لم يكن هناك أي تدخل بشري في عملية التفاعل”.
ويضيف أن التكلفة والأداء وزمن الاستجابة لا تزال تحدّ من مدى انتشار استخدام تقنيات نماذج اللغة الكبيرة في عمليات الاحتيال. لكنه يقول: “مع استمرار تحسن أداء النماذج الأصغر والأسرع، سيصبح هذا تهديداً وشيكاً”.
كيفية التعامل مع عمليات الاحتيال الصوتي
الخطوة الأولى لتجنب الاحتيال غالباً ما تكون عدم الرد على المكالمة نهائياً. يقول برومر من شركة إكسبريان: “أُطلق على هذه الطريقة اسم ‘لا ترد على الهاتف'”.
إذا ادعى المتصل أنه أحد أفراد عائلتك في محنة، يمكنك إنهاء المكالمة ومحاولة الوصول إليه عبر رقم آخر، أو مكان عمله، أو شخص تثق به. كما يقترح برومر اختيار كلمة سرية أو طرح أسئلة لا يعرفها إلا أحد أفراد العائلة، مما يساعدك على التأكد بسرعة من صحة الموقف.
حتى مع هذه الإجراءات الوقائية، قد تكون بعض المعلومات الشخصية متاحة بالفعل. يقول برومر: “قلل من نشاطك على مواقع التواصل الاجتماعي”. تجنب نشر “أي صور، أو أي مشاركات في فعاليات عامة، أو أي مقاطع صوتية طويلة”، لأن هذه التسجيلات قد تُستخدم لإنشاء تسجيلات صوتية مزيفة.
تقول سامبسون إن عائلتها تستخدم الآن كلمة سرية. وتقول إن أحد المحققين أخبرها أن التوعية هي الحماية الوحيدة، وهي تشارك قصتها حتى لا يقع الآخرون ضحيةً لنفس نوع المكالمات.
وتقول: “أنا مصممة على نشر الخبر … حتى لا تضطر أي أم مسكينة إلى أن تعيش ما عشته”.




