ناجي الخوري
في بلدٍ اعتاد الأزمات لكنه لم يعتد الانهيار الشامل، وُلد في لبنان نموذج اقتصادي جديد يمكن تسميته بـ”اقتصاد البقاء”. مفهوم لا يحسب على النظريات الأكاديمية، بقدر ما هو سلوك يومي فرضته الوقائع القاسية: حرب مفتوحة على الحدود، شلل سياسي، انهيار مالي، وتفكك تدريجي في مؤسسات الدولة، تصبح معها الاولوية المطلقة، هي الاستمرار باي ثمن، بديلا عن تحقيق النمو او حتى الاستقرار.
يقوم “اقتصاد البقاء” في لبنان على مجموعة من الآليات غير التقليدية التي تعيد تشكيل مفهوم الاقتصاد ذاته، حيث أولى هذه الآليات هي “الدولرة الواقعية”، مع تخلّي اللبنانيين عملياً عن عملتهم الوطنية في التعاملات اليومية، ليس بقرار رسمي بل كخيار اضطراري لحماية ما تبقى من القدرة الشرائية. تحول لم يأتِ نتيجة إصلاح نقدي، بل نتيجة فقدان الثقة الكلي بالسياسات المالية، ما جعل الاقتصاد يعمل بنظام مزدوج غير متوازن، يفاقم الفوارق الاجتماعية.
اما الثانية، فهي الاعتماد المتزايد على التحويلات الخارجية، اذ بات المغترب اللبناني يشكل شريان حياة حقيقياً لعشرات آلاف العائلات. تحويلات لا تُستخدم للاستثمار أو الادخار، بل تُستهلك مباشرة لتغطية الحاجات الأساسية: الغذاء، الطبابة، والتعليم، حيث تكمن المفارقة: الأموال التي كان يُفترض أن تساهم في تحفيز الاقتصاد، تحوّلت إلى وسيلة لإبقائه على قيد الحياة فقط.
إلى جانب ذلك، نشهد توسعاً لافتاً في الاقتصاد غير الرسمي، من العمل الحر غير المنظم إلى الأسواق الموازية، ومن المبادرات الفردية الصغيرة إلى شبكات التبادل العيني، كلها تشكل مكونات أساسية في اقتصاد البقاء. هذا الاقتصاد الموازي، رغم ما يوفره من مرونة، يطرح تحديات خطيرة، أبرزها غياب الرقابة، تراجع الإيرادات الضريبية، وتآكل دور الدولة كمُنظّم.
ان فهم اقتصاد البقاء لن يكون ممكنا دون التوقف عند التغير في سلوك المستهلكحيث لم يعد اللبناني اليوم يخطط للمستقبل، بل يعيش بمنطق “اليوم بيومه”، مع تغير الأولويات جذرياً: من الكماليات إلى الضروريات، ومن الجودة إلى السعر، ومن الادخار إلى الاستهلاك الفوري. تحول يعكس حالة عدم اليقين العميقة التي تسيطر على المجتمع، حيث يصبح التخطيط طويل الأمد رفاهية غير متاحة.
في المقابل، تكيفت بعض القطاعات مع هذا الواقع الجديد. قطاع التكنولوجيا والعمل عن بعد، على سبيل المثال، أتاح لشريحة من الشباب تحقيق دخل بالدولار، ما خلق نوعاً من “اقتصاد موازٍ نخبوي” داخل اقتصاد البقاء. كذلك، شهدت بعض الصناعات المحلية انتعاشاً نسبياً نتيجة ارتفاع كلفة الاستيراد، ما أعاد الاعتبار للإنتاج المحلي، ولو بشكل محدود.
لكن، ورغم كل مظاهر التكيّف، يبقى اقتصاد البقاء هشاً بطبيعته. فهو اقتصاد قائم على رد الفعل لا على التخطيط، وعلى المبادرات الفردية لا على السياسات العامة. الأخطر من ذلك، أنه يكرّس واقعاً من عدم المساواة، حيث تنقسم البلاد بين من يملك الوصول إلى الدولار ومن لا يملكه، وبين من يستطيع التكيف ومن يُدفع إلى الهامش.
في زمن الحرب والأزمات، قد يبدو اقتصاد البقاء خياراً وحيداً، لكنه ليس حلاً دائماً. فاستمرار هذا النموذج يعني تثبيت الانهيار كحالة طبيعية، وتحويل الاقتصاد من أداة للنمو إلى وسيلة للبقاء فقط. ويكمن التحدي الحقيقي في كيفية الانتقال من هذا الاقتصاد المؤقت إلى نموذج أكثر استدامة، يعيد بناء الثقة، ويؤسس لمرحلة جديدة من التعافي.
عليه لا يحتاج لبنان اليوم، إلى مساعدات أو إصلاحات تقنية، فقط، بل إلى إعادة تعريف لدوره الاقتصادي في الداخل والخارج. فاقتصاد البقاء، رغم قسوته، كشف عن قدرات كامنة لدى المجتمع اللبناني: المرونة، الابتكار، والقدرة على التكيف. لكن هذه القدرات، إذا لم تُترجم إلى سياسات واضحة ورؤية وطنية، ستبقى مجرد أدوات لتأجيل الانهيار، لا لتجاوزه.







