أخبار خاصة

من باريس الى بيروت …. القطاع المصرفي يرد على السلطة

ناجي الخوري

شكلت مواقف رئيس جمعية المصارف، سليم صفير، خلال القمة المصرفية العربية الأوروبية في باريس أكثر من مجرد خطاب اقتصادي موجّه إلى المستثمرين العرب والأوروبيين، اذ مثلت محاولة سياسية واقتصادية لإعادة تموضع القطاع المصرفي داخل النقاش الدائر حول المسؤوليات عن الانهيار المالي اللبناني.

فمنذ عام 2019، سادت في الخطاب الرسمي اللبناني، كما في العديد من التقارير الدولية، مقاربة تعتبر أن المصارف كانت شريكاً أساسياً في النموذج المالي الذي انهار، عبر تمويل الدولة بشكل مفرط والانخراط العميق في الهندسات المالية التي قادها مصرف لبنان.

هكذا يمكن قراءة كلام صفير باعتباره محاولة لنقل النقاش من “أزمة المصارف” إلى “أزمة النظام الاقتصادي والسياسي برمته”، متوقفين عند أبرز النقاط التي أوردها:

أولاً: إعادة توزيع المسؤوليات:
يلاحظ أن صفير تجنب أي اعتراف مباشر بمسؤولية المصارف عن الأزمة، مستخدما تعبير “أزمة بنيوية شاملة” نتجت عن تراكمات مالية ونقدية ومؤسساتية. مقاربة تتقاطع مع الرواية التقليدية لجمعية المصارف التي ترى أن الانهيار لم يكن نتيجة أخطاء مصرفية فحسب، بل نتيجة سياسات مالية اعتمدتها الحكومات المتعاقبة وعجز مزمن في المالية العامة.

لكن هذه الرواية تصطدم بموقف جزء كبير من الطبقة السياسية اللبنانية التي حاولت خلال السنوات الماضية تحميل المصارف الجزء الأكبر من الخسائر المالية، كما أنها تتعارض جزئياً مع مقاربة صندوق النقد الدولي الذي اعتبر أن الأزمة نتجت عن تداخل مسؤوليات الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية ضمن نموذج مالي غير مستدام.

ثانياً: رسالة إلى السلطة الجديدة :
حمل تأكيد صفير دعم رئيسي الجمهورية والحكومة، دلالات سياسية مهمة. فجمعية المصارف تدرك أن المرحلة المقبلة ستشهد مفاوضات حاسمة حول إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوزيع الخسائر وإعادة الأموال للمودعين.

لذلك يمكن فهم هذا الدعم بوصفه محاولة لفتح صفحة جديدة مع السلطة السياسية بعد سنوات من المواجهة غير المعلنة بين الدولة والمصارف. كما أنه يعكس إدراكاً لدى القطاع المصرفي بأن أي عملية إنقاذ لن تكون ممكنة من دون تفاهم سياسي شامل يحمي ما تبقى من المصارف القابلة للحياة.

ثالثاً: أين يقف صندوق النقد؟
من منظور صندوق النقد الدولي، لا تكفي الدعوات العامة إلى استعادة الثقة أو حماية المودعين. فالصندوق يركز على ثلاث أولويات أساسية:

  • الاعتراف الرسمي بحجم الخسائر المالية.
  • إعادة هيكلة المصارف غير القادرة على الاستمرار.
  • توزيع الخسائر بشكل عادل بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمساهمين.

من هنا، تبدو دعوة صفير إلى “حماية المصارف القابلة للاستمرار” منسجمة جزئياً مع رؤية الصندوق، لكنها لا تتضمن موقفاً واضحاً من مسألة تحميل المساهمين وكبار المالكين جزءاً من الخسائر، وهي نقطة جوهرية في مقاربة صندوق النقد.

رابعاً: محاولة استعادة الثقة الدولية:
الشق الأبرز في الخطاب هو الرسالة الموجهة إلى المستثمرين العرب والأوروبيين. فجمعية المصارف تدرك أن إعادة رسملة القطاع المصرفي وجذب الاستثمارات الخارجية يتطلبان تغيير الصورة الذهنية للبنان من دولة منهارة إلى دولة تمتلك فرصاً استثمارية مستقبلية.

غير أن هذه الرسالة تواجه معضلة أساسية: فالثقة لا تُبنى بالخطاب وحده، بل عبر إصلاحات ملموسة تشمل إعادة هيكلة المصارف، إصلاح المالية العامة، إقرار القوانين المطلوبة دولياً، واستعادة حقوق المودعين بصورة واضحة.

عليه، يعكس خطاب صفير انتقال جمعية المصارف من موقع الدفاع عن النفس إلى موقع الهجوم السياسي الناعم، عبر السعي إلى إعادة تعريف الأزمة باعتبارها أزمة دولة ونظام اقتصادي لا أزمة مصارف فقط.

إلا أن نجاح هذه المقاربة سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة القطاع المصرفي على تقديم رؤية عملية لمعالجة الخسائر وإعادة أموال المودعين، وهي النقطة التي لا تزال تمثل جوهر الخلاف بين المصارف والدولة وصندوق النقد الدولي.

عليه، يمكن تقدير أن المرحلة المقبلة ستشهد صراعاً هادئاً حول “رواية الأزمة” بقدر ما ستشهد تفاوضاً حول الحلول. فالمعركة لم تعد فقط حول كيفية إنقاذ القطاع المصرفي، بل حول تحديد من يتحمل مسؤولية الانهيار ومن سيدفع فاتورة الخروج منه.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *