عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
ليس انتخاب بشارة الأسمر رئيسًا لمجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مجرد خبر نقابي عابر، ولا هو تبديل في أسماء هيئة إدارية طال انتظارها. فالضمان في لبنان ليس مؤسسة حكومية عادية؛ إنه في مكان ما ذاكرة العامل اللبناني ومستقبله، وفي دفاتره تختزن سنوات من التعب والاقتطاعات والوعود المؤجلة.
من هنا، فإن وصول رئيس الاتحاد العمالي العام إلى رئاسة مجلس إدارة الصندوق يكتسب دلالة تتجاوز الشخص إلى الموقع نفسه. فالرجل الذي أمضى سنوات يرفع صوت العمال في مواجهة الدولة وأصحاب العمل، يجد نفسه اليوم في الجهة الأخرى من الطاولة، حيث لا تكفي المطالبة بالحقوق، بل يصبح مطلوبًا منه أن يحميها ويترجمها إلى قرارات وسياسات وإدارة.
وهنا تحديدًا يبدأ الامتحان.
فالضمان الذي يعود إليه مجلس الإدارة بعد سنوات طويلة من الفراغ الإداري لا يحتاج إلى رئيس جديد فحسب، بل يحتاج إلى مشروع إنقاذ حقيقي يعيد إليه دوره ويعيد إلى المضمونين الثقة التي اهتزت بفعل الانهيار المالي والنقدي والسياسي.
سابقة أبو رزق… والأسمر ليس الأول
وللتاريخ كلمته هنا.
فبشارة الأسمر ليس أول رئيس للاتحاد العمالي العام يتولى رئاسة مجلس إدارة الضمان. فقد سبقه إلى هذا الموقع إلياس أبو رزق عام 1999، في سابقة موثقة كانت الأولى من نوعها يومها.
لكن الفارق بين التجربتين أن الأسمر يصل إلى رئاسة الضمان في لبنان مختلف تمامًا عن لبنان عام 1999.
يصل في بلد انهارت عملته، وتآكلت القدرة الشرائية، وفقدت تعويضات نهاية الخدمة جزءًا كبيرًا من قيمتها، وتراجعت قدرة المؤسسات الاجتماعية على القيام بالدور الذي أنشئت من أجله.
أبو رزق دخل إلى الضمان في مرحلة كانت فيها الدولة تعاني من أزمات كثيرة، أما الأسمر فيدخل إليه في مرحلة أصبح فيها السؤال أكثر قسوة:
هل يستطيع الضمان أن يضمن أصلًا؟
أموال العمال ليست أرقامًا
قد تبدو أموال الضمان في التقارير أرقامًا وحسابات وأرصدة واستثمارات. لكنها في الحقيقة ليست كذلك.
خلف كل رقم عامل أمضى عشرات السنين في مصنع أو مؤسسة أو مكتب.
وخلف كل اشتراك شهري سنوات من عمر إنسان اقتطع منها جزءًا صغيرًا وهو يعتقد أن هذا المال سيعود إليه يوم يحتاج إليه.
وخلف كل تعويض نهاية خدمة رجل أو امرأة ينتظران أن تكون نهاية العمل بداية حياة أكثر استقرارًا، لا بداية معركة جديدة مع الفقر.
لهذا فإن الحديث عن إصلاح الضمان لا يمكن أن يبقى حبيس لغة المحاسبة والميزانيات.
إنه إصلاح لعلاقة اللبناني بدولته، وبمستقبله، وبكرامته بعد انتهاء سنوات العمل.
ماذا يريد العامل من الأسمر؟
العامل اللبناني لا ينتظر من بشارة الأسمر خطابًا نقابيًا جديدًا. لقد سمع العمال الكثير من الخطابات، وربما حفظوا معظم عناوينها.
ما يريدونه هذه المرة هو شيء مختلف: أن يروا حقوقهم تتحول من مطالب إلى أفعال.
في مقدمة هذه الحقوق تأتي قضية تعويضات نهاية الخدمة.
فالعامل الذي دفع الاشتراكات طوال حياته لم يكن يدفعها ليحصل في النهاية على رقم اسمي فقد قيمته بفعل التضخم وانهيار سعر الصرف. كان يدفعها لأنه كان يشتري بها شيئًا من الأمان للمستقبل.
وهذا المستقبل هو الذي أصبح مهددًا.
لذلك فإن إحدى أهم المعارك أمام مجلس الإدارة الجديد ستكون إيجاد حلول تحمي القيمة الفعلية لحقوق المضمونين، وتمنع تحول تعويض نهاية الخدمة إلى مجرد رقم لا يكفي صاحبه لأشهر أو حتى أسابيع.
والتقاعد… الملف الذي لم يعد يحتمل التأجيل
ثم هناك القضية الأكبر: نظام التقاعد.
لبنان لا يستطيع أن يبقى أسير نظام اجتماعي صيغ لعصر اقتصادي مختلف، فيما تغير المجتمع وسوق العمل والعملة والقدرة الشرائية بصورة جذرية.
العامل يريد أن يعرف ماذا ينتظره عندما تنتهي خدمته.
هل سيكون له معاش تقاعدي يحفظ كرامته؟
هل ستكون الدولة قادرة على تمويل النظام؟
كيف ستُحمى حقوق الجيل الحالي من دون تحميل الأجيال المقبلة أعباء لا تستطيع تحملها؟
هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًا. إنها أسئلة اليوم والغد.
ومن هنا فإن إصلاح الضمان يجب أن يترافق مع بناء نظام تقاعد حديث ومستدام، قادر على حماية العامل لا على تأجيل المشكلة سنوات أخرى.
أموال الضمان… خط أحمر
لكن قبل كل شيء، هناك قضية لا تحتمل المساومة: أموال الضمان.
هذه الأموال ليست ملكًا للدولة كي تتصرف بها كما تشاء، وليست ملكًا للإدارة، ولا للحكومة، ولا للأحزاب، ولا للاتحاد العمالي.
إنها أموال المضمونين.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة شفافية كاملة.
على العامل أن يعرف وضع الصندوق المالي، وحجم موجوداته والتزاماته، واستثماراته، وعائداتها، وحجم الاشتراكات المتأخرة، والديون المستحقة للصندوق.
وإذا كان الضمان يريد أن يستعيد ثقة الناس، فعليه أن يبدأ من أبسط قاعدة:
لا أسرار في أموال المضمونين.
فالشفافية ليست ترفًا إداريًا، بل شرطًا لبقاء المؤسسة.
المعركة مع أصحاب العمل… ومع الدولة أيضًا
لا يمكن للضمان أن يعيش على اشتراكات غير منتظمة، ولا أن يؤدي دوره إذا بقيت مستحقاته في ذمة المؤسسات وأصحاب العمل.
لذلك سيكون أمام المجلس الجديد ملف تحصيل الاشتراكات المتأخرة، وهو ملف حساس لا يخلو من التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية.
فثمة مؤسسات متعثرة فعلًا ولا تستطيع الدفع، وثمة مؤسسات أخرى قادرة على الدفع لكنها تؤجل أو تمتنع.
والعدالة هنا تقتضي التمييز بين الاثنين.
لكن المشكلة لا تتوقف عند أصحاب العمل.
فالدولة نفسها مطالبة بأن تكون قدوة في احترام التزاماتها تجاه مؤسسات الحماية الاجتماعية.
إذ لا يمكن أن تطلب من العامل وصاحب العمل احترام القانون بينما تتأخر الدولة نفسها عن الوفاء بما عليها.
الأسمر يعرف وجع العامل… وهذه نقطة قوة
من الإنصاف القول إن وصول شخصية نقابية إلى رئاسة الضمان يحمل إيجابية أساسية.
بشارة الأسمر يعرف الحركة العمالية من الداخل.
يعرف لغة العمال، ومشكلاتهم، وأوجاعهم، والهوة التي اتسعت بينهم وبين الدولة.
يعرف كيف يشعر العامل عندما يمرض، وكيف يفكر عندما يقترب من التقاعد، وكيف ينظر إلى تعويض نهاية الخدمة بعدما تبخرت قيمته.
وهذه المعرفة يمكن أن تكون نقطة قوة كبيرة.
فالضمان لا يحتاج إلى إدارة مالية فقط، بل يحتاج أيضًا إلى من يفهم الإنسان الموجود خلف الملف.
لكن هذه الميزة نفسها يمكن أن تتحول إلى عبء إذا بقيت العقلية النقابية هي التي تحكم الإدارة.
فالضمان ليس نقابة.
إنه مؤسسة وطنية لها حساباتها الاكتوارية والمالية والإدارية، وتحتاج إلى قرارات قد تكون أحيانًا صعبة وغير شعبية.
وهنا سيكون على الأسمر أن يثبت أنه قادر على الانتقال من موقع المدافع عن العامل إلى موقع المسؤول عن مستقبل العامل.
والفرق بين الاثنين كبير.
بين قوة الموقع ومخاطر تضارب الأدوار
ربما يكون أكثر الملفات حساسية هو استمرار الأسمر في رئاسة الاتحاد العمالي العام بالتزامن مع رئاسة مجلس إدارة الضمان.
فالاتحاد العمالي موقعه الطبيعي هو المطالبة بحقوق العمال والضغط من أجل تحسينها.
أما مجلس إدارة الضمان فهو الموقع الذي تُتخذ فيه القرارات المتعلقة بالمؤسسة التي تدير جانبًا أساسيًا من هذه الحقوق.
وهنا يطرح السؤال نفسه:
هل يستطيع شخص واحد أن يجلس على جانبي الطاولة؟
وزير العمل محمد حيدر دعا الأسمر إلى الاستقالة من رئاسة الاتحاد العمالي العام بعد انتخابه رئيسًا للضمان، انطلاقًا من ضرورة الفصل بين المسؤوليات.
وقد يكون هذا النقاش مشروعًا، بل ضروريًا.
لكن في المقابل، يمكن النظر إلى المسألة من زاوية أخرى: وجود رئيس الاتحاد العمالي على رأس مجلس إدارة الضمان قد يمنح العمال للمرة الأولى صوتًا قويًا من داخل المؤسسة نفسها.
إذن، المسألة ليست في الجمع بين الموقعين فقط، بل في كيفية إدارة هذا الجمع، وما إذا كان سيخدم المضمونين أم يتحول إلى تضارب في المصالح.
الضمان يحتاج إلى ثورة إدارية هادئة
إذا كان ثمة شيء يمكن أن يجمع عليه الجميع، فهو أن الضمان يحتاج إلى إصلاح إداري عميق.
العامل الذي ينتظر طويلًا لإنجاز معاملة لا يريد أن يعرف من تسبب في التأخير.
والمريض الذي يحتاج إلى تقديمات لا تعنيه البيروقراطية.
والمتقاعد الذي ينتظر تعويضه لا يستطيع أن يعيش على المواعيد المؤجلة.
من هنا، فإن الرقمنة، وتبسيط المعاملات، وتوحيد قواعد البيانات، وتسريع إنجاز الملفات، وتشديد الرقابة على الإنفاق، كلها ليست مسائل تقنية هامشية.
إنها جزء من كرامة المضمون.
فالضمان الذي يوفر المال لكنه يهدر وقت الناس، لا يكون قد أدى وظيفته كاملة.
المطلوب ليس إدارة الأزمة بل إنقاذ المؤسسة
وهنا تكمن النقطة الأهم.
لا يجوز أن تتحول عودة مجلس إدارة الضمان إلى مجرد عودة للحياة الإدارية الطبيعية.
المطلوب أكثر بكثير.
المطلوب أن تكون هذه العودة فرصة لإعادة تأسيس المؤسسة على قواعد جديدة.
تدقيق مالي وإداري مستقل.
كشف الحسابات بوضوح.
إعادة تقييم الاستثمارات.
تحصيل المستحقات.
حماية حقوق المضمونين.
إصلاح نظام التقاعد.
رقمنة الإدارة.
مكافحة الهدر والمحسوبيات.
والأهم وضع خطة واضحة لاستدامة الصندوق لسنوات طويلة.
فالأسمر لا يرث مؤسسة سليمة تحتاج فقط إلى إدارة أفضل؛ بل يرث مؤسسة تحتاج إلى إعادة بناء الثقة.
مئة يوم قد تكشف الكثير
ولعل أفضل اختبار للمجلس الجديد ألا يبدأ بالوعود البعيدة، بل بخطة واضحة للأشهر الأولى.
ماذا عن الوضع المالي الحقيقي للصندوق؟
ماذا عن الاستثمارات؟
ماذا عن المستحقات غير المحصلة؟
ماذا عن تعويضات نهاية الخدمة؟
ماذا عن التقاعد؟
ماذا عن الإدارة؟
وماذا عن العلاقة بين الضمان والدولة وأصحاب العمل والعمال؟
إذا استطاع الأسمر أن يضع هذه الملفات على الطاولة بشفافية، وأن يعلن ما يستطيع فعله وما يعجز عنه، فسيكون قد بدأ الطريق الصحيح.
أما إذا غرق المجلس في المحاصصة وتوزيع النفوذ، فإن عودة مجلس الإدارة لن تكون أكثر من تغيير في الوجوه.
من يحمي العامل عندما تنتهي قدرته على العمل؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يبقى فوق كل الأسئلة.
فالعامل يستطيع أن يدافع عن نفسه عندما يكون قويًا وقادرًا على العمل.
لكن عندما يكبر، أو يمرض، أو يفقد وظيفته، أو يصل إلى نهاية الخدمة، يصبح بحاجة إلى مؤسسة تقف إلى جانبه.
وهذه هي فلسفة الضمان.
أن يقول للعامل:
لقد عملت طوال حياتك، والآن حان دور المجتمع والدولة والمؤسسة التي ساهمت في تمويلها لكي تحميك.
إذا فقد الضمان هذه الوظيفة، فقد جزءًا من معناه.
الامتحان الحقيقي لبشارة الأسمر
لذلك فإن انتخاب بشارة الأسمر ليس نهاية قصة، بل بدايتها.
لقد انتقل الرجل من موقع كان فيه يطالب بحقوق العمال إلى موقع يستطيع فيه أن يقرر جزءًا أساسيًا من مصير هذه الحقوق.
وهنا لن يحاسبه العمال على عدد الخطب التي ألقاها، ولا على البيانات التي أصدرها، ولا على المعارك النقابية التي خاضها.
سيحاسبونه على شيء أبسط وأصعب:
هل أصبح تعويض العامل أكثر أمانًا؟
هل أصبح الضمان أكثر شفافية؟
هل أصبحت معاملاته أسرع؟
هل أصبح التقاعد أقرب إلى الكرامة؟
وهل أصبح العامل يشعر بأن أمواله محفوظة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فسيكون الأسمر قد نجح في الانتقال من حارس حقوق العمال إلى حارس أموالهم ومستقبلهم.
أما إذا بقي الضمان أسير الحسابات السياسية والنقابية والإدارية نفسها، فلن يكون انتخابه سوى محطة أخرى في تاريخ مؤسسة طال انتظار إصلاحها.
فالضمان اليوم لا يحتاج إلى معجزة.
يحتاج إلى إرادة سياسية، وإدارة نظيفة، وحسابات شفافة، ونقابة مسؤولة، ودولة تفي بالتزاماتها.
وقبل كل ذلك، يحتاج إلى أن يتذكر الجميع حقيقة بسيطة:
إن أموال الضمان ليست أموالًا بلا صاحب… إنها أعمار اللبنانيين التي تحولت إلى أرقام في حسابات المؤسسة.
ومن يحمي هذه الأرقام، يحمي ما تبقى من كرامة العامل اللبناني.







