بلغ الدين العالمي مستوى قياسيًا جديدًا، يقترب من 353 تريليون دولار بنهاية آذار 2026، بما يعادل نحو 305% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفق معهد التمويل الدولي.
ويبدو حجم الزيادة أكثر وضوحًا عند مقارنته بما كان عليه قبل عقدين؛ إذ كان إجمالي الدين العالمي يبلغ نحو 130 تريليون دولار، أو 240% من الناتج المحلي الإجمالي.
وخلال الربع الأول من 2026 وحده، زاد الدين العالمي بنحو 4.4 تريليون دولار، في أسرع وتيرة نمو منذ منتصف 2025، مسجلًا بذلك الزيادة الفصلية الخامسة على التوالي، وفق بيانات المعهد.
ولا يقتصر الرقم على ديون الحكومات، بل يشمل اقتراض الحكومات والشركات والأسر والمؤسسات المالية، فيما يتوزع الدائنون بين البنوك وصناديق الاستثمار وشركات التأمين والمستثمرين المحليين والأجانب والبنوك المركزية.
وكان الاقتراض الأميركي أحد المحركات الرئيسية لهذه الزيادة، كما أشار التقرير إلى تسارع حاد في الديون في بداية العام من المقترضين من الشركات الصينية غير المالية، خصوصًا الشركات المملوكة للدولة، بوتيرة تجاوزت الاقتراض من حكومة البلاد.
وخارج الولايات المتحدة والصين، تراجعت ديون الاقتصادات المتقدمة قليلًا، في حين ارتفعت ديون الأسواق الناشئة، باستثناء الصين، إلى مستوى قياسي بلغ 36.8 تريليون دولار، مدفوعة بصورة رئيسية بالاقتراض الحكومي.
ديون قديمة.. بفوائد جديدة
رغم ضخامة الرقم، لا يعني ارتفاع الدين العالمي أن الحكومات تنفق كل هذه الأموال على مشروعات أو برامج جديدة. فجزء كبير من الاقتراض يذهب إلى إعادة تمويل ديون قائمة.
ارتفع اقتراض الحكومات المركزية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى 17 تريليون دولار في 2025، ومن المتوقع أن تسجل ديون دول المنظمة زيادة جديدة بنحو 18 تريليون دولار في 2026. لكن نحو 13.5 تريليون دولار من احتياجات الاقتراض في 2025 كانت مخصصة لإعادة تمويل ديون قائمة، وليس لتمويل إنفاق جديد.
وتتركز نسبة كبيرة من هذه الاحتياجات في أكبر اقتصادات المنظمة؛ إذ تمثل الولايات المتحدة واليابان وحدهما نحو 80% من احتياجات إعادة التمويل داخل دول المنظمة.
وهنا تظهر أهمية الفائدة. فعندما تستحق السندات الحكومية، تحتاج الدول إلى سدادها أو إعادة تمويلها بإصدار ديون جديدة. وإذا كانت الفائدة قد ارتفعت، تصبح إعادة تمويل الدين القديم أكثر تكلفة، وترتفع معها كلفة خدمته. وبذلك، قد تلجأ الحكومات إلى الاقتراض ليس لتمويل إنفاق جديد، وإنما لسداد ديون سابقة بتكلفة أعلى.
الدين يتضخم.. والاقتصاد لا يلاحقه
لا تكمن المشكلة في حجم الدين وحده، وإنما في علاقته بحجم الاقتصاد وقدرته على تحمله.
وفق تقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في نيسان 2026، بلغ الدين العام الحكومي العالمي نحو 93.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 95.3% في 2026، قبل أن يتجاوز 100% بحلول عام 2030.
وتختلف الصورة بشدة من دولة إلى أخرى. حيث تسجل اليابان أعلى نسبة للدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، إذ يتجاوز الدين ضعفي حجم الاقتصاد (204.4%)، تليها سنغافورة والسودان بنسبة دين تبلغ 171.9% و169.1% من الناتج المحلي الإجمالي على التوالي، وفق توقعات الصندوق لعام 2026.
وتوضح المقارنة أن حجم الدين لا يعكس وحده حجم العبء الذي تتحمله الدولة، إذ تختلف قدرة الاقتصادات على استيعاب الديون بحسب حجم الناتج ومعدل نموه وتكلفة الاقتراض.
كما أن ارتفاع معدلات الفوائد يجعل هذه النسب أكثر أهمية؛ لأن زيادة تكلفة الاقتراض ترفع مدفوعات الفائدة، وتضغط على الموازنات العامة، خصوصًا في الدول التي تحتاج إلى إعادة تمويل كميات كبيرة من الديون كل عام.
أكبر اقتصادات العالم.. كم تدين؟
تكشف مقارنة أكبر اقتصادات العالم تفاوت حجم الدين الحكومي حتى بين أكبر الاقتصادات.
بلغ الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية للولايات المتحدة نحو 30.8 تريليون دولار في 2025، مقابل نحو 38.1 تريليون دولار من الدين الحكومي، أي ما يعادل نحو 124% من الناتج المحلي الإجمالي. تليها الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، حيث بلغ الناتج نحو 19.6 تريليون دولار، مقابل ديون حكومية تقترب من 19.5 تريليون دولار، بما يعادل نحو 99% من حجم الاقتصاد.
وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى ارتفاع الناتج الأميركي إلى نحو 32.4 تريليون دولار في 2026، مقابل دين حكومي عام يُقدّر بأكثر من 40.7 تريليون دولار. وفي الصين، قد يرتفع الناتج إلى نحو 20.9 تريليون دولار، بينما يتجاوز الدين 22.3 تريليون دولار.
ولا تقتصر الزيادة على أكبر اقتصادين؛ فمن المتوقع أن يرتفع الدين الحكومي في ألمانيا، ثالث أكبر اقتصاد في العالم، من 3.2 تريليون دولار العام الماضي إلى 3.5 تريليون دولار في 2026.
أما اليابان، بينما تكون رابع أكبر اقتصاد في العالم، فتظل حالة مختلفة؛ إذ يُتوقع أن يبلغ دينها الحكومي نحو 9 تريليونات دولار في 2026 انخفاضًا من 9.2 تريليون دولار وفقًا لتقديرات العام الماضي، مقابل اقتصاد يبلغ نحو 4.4 تريليون دولار.
الدين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار
تقدم الولايات المتحدة أوضح مثال على العلاقة بين حجم الدين ومستويات الفائدة، فقد تجاوز إجمالي الدين العام الأميركي حاجز 40 تريليون دولار في آب 2026 للمرة الأولى، بعدما تخطى 30 تريليون دولار في 2022.
ومن إجمالي الدين البالغ نحو 40 تريليون دولار بتاريخ 11 سبتمبر 2026، يبلغ الدين الذي يحمله الجمهور نحو 32.4 تريليون دولار، مقابل نحو 7.7 تريليون دولار من الديون الحكومية الداخلية.
ولا تعني هذه الأرقام أن واشنطن مطالبة بسداد 40 تريليون دولار دفعة واحدة؛ إذ يتوزع الدين على سندات وأذون تستحق في آجال مختلفة، وتعيد وزارة الخزانة تمويل جزء منها بصورة مستمرة.
لكن استمرار العجز يعني أن الحكومة تحتاج في الوقت نفسه إلى الاقتراض لتمويل الفجوة بين إيراداتها ونفقاتها، وإلى إصدار ديون جديدة لإعادة تمويل الديون المستحقة.
وتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس، في شباط الماضي، أن يبلغ العجز الفيدرالي نحو 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2026، بما يعادل 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، قبل أن يرتفع إلى 3.1 تريليون دولار في 2036، أو 6.7% من الناتج.
وتتوقع وزارة الخزانة اقتراض 739 مليار دولار من صافي الديون القابلة للتداول التي يحتفظ بها القطاع الخاص خلال الفترة من تموز إلى أيلول 2026، ثم 628 مليار دولار إضافية خلال الربع التالي.
وهذا يعني أن سوق السندات الأميركية مطالب باستيعاب إصدارات ضخمة بصورة مستمرة، في وقت أصبحت فيه تكلفة الاقتراض نفسها أكثر حساسية لمستويات الفائدة والتضخم وتوقعات المستثمرين.
الفائدة… الفاتورة التي تتضخم مع الدين
تنعكس قرارات الفيدرالي على تكلفة الديون مع استحقاق السندات وإعادة تمويلها. فارتفاع الفائدة يعني أن الحكومات ستصدر ديونًا جديدة بتكلفة أعلى لسداد القديمة، ما يزيد أعباء خدمة الدين تدريجيًا.
تأتي هذه الضغوط في وقت ترتفع فيه بالفعل تكاليف الاقتراض الحكومي عالميًا، فيما تواجه الحكومات احتياجات متزايدة لإعادة تمويل الديون القائمة.
وبحسب تقديرات UBS، قد يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس أخرى إلى نطاق 4%- 4.25% في كانون الأول، من زيادة مماثلة قبل أيام رفعت الفائدة إلى نطاث 3.75% – 4%، بعدما كانت التوقعات السابقة تشير إلى تثبيت الفائدة خلال العام.
وإذا استمرت الفائدة عند مستويات مرتفعة، فإن أثرها على الدين لن يظهر بالضرورة دفعة واحدة، بل يتراكم مع إعادة تسعير الديون التي تستحق وإصدار سندات جديدة.
من يملك ديون الحكومات؟
عندما تقترض الحكومات، فإنها تبيع سندات للمستثمرين الذين يمولونها مقابل الحصول على عائد. ويشمل هؤلاء البنوك وصناديق التقاعد وشركات التأمين وصناديق الاستثمار والمستثمرين الأفراد، إلى جانب البنوك المركزية والحكومات الأجنبية.
لذلك فإن ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي لا يبقى داخل الموازنات فقط؛ إذ يمكن أن يرفع العوائد المطلوبة على السندات ويؤثر في تكلفة التمويل في الاقتصاد الأوسع.
وتصبح الضغوط أكبر في الاقتصادات الناشئة التي تعتمد على التمويل الخارجي أو تقترض بعملات أجنبية. فارتفاع العوائد الأميركية يمكن أن يزيد تكلفة الاقتراض بالدولار، بينما قد يؤدي ضعف العملة المحلية إلى زيادة عبء سداد الديون المقومة بالعملات الأجنبية.
ومع ديون تقترب من 353 تريليون دولار، تصبح الفائدة عاملًا حاسمًا في قدرة الحكومات على إدارة التزاماتها. فكل ارتفاع في تكلفة الاقتراض يعني أموالًا أكثر لخدمة الدين، ومساحة أقل أمام الإنفاق والاستثمار.





