أخبار اقتصادية

أرباح الشركات تحت الاختبار.. هل تنقذ الأسهم العالمية من تعثر الربع الأخير؟

دخلت أسواق الأسهم العالمية موسم نتائج أعمال الربع الثالث وسط رهان متزايد على قدرة أرباح الشركات على إعادة الزخم للموجة الصعودية قبل نهاية العام، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن التضخم وارتفاع عوائد السندات وتكاليف الاستثمار الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وأطلقت بنوك أميركية كبرى، من بينها “جي بي مورغان” و”غولدمان ساكس”، موسم النتائج الثلاثاء وسط توقعات مرتفعة من المحللين. ومع تداول الأسهم الأميركية والأوروبية قرب مستويات قياسية، بات المستثمرون أكثر تشدداً في تقييم النتائج، مطالبين بأداء قوي يبرر التقييمات الحالية.

وتشير تقديرات “بلومبرغ إنتليجنس” إلى نمو أرباح شركات مؤشر “إس آند بي 500” بنحو 25% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما تتوقع نماذج “سيتي غروب” ارتفاع نسبة الشركات التي تتجاوز توقعات السوق مقارنة بالربع السابق، بقيادة قطاعات التكنولوجيا والرعاية الصحية والتعدين.

وقالت كبيرة محللي الأبحاث في “ليفيردج شيرز”، فيوليتا تودوروفا، إن الأسواق لا تواجه لحظة “نجاح أو فشل”، لكنها تحتاج إلى دليل إضافي يدعم استمرار الصعود، مشيرة إلى أن سقف التوقعات ارتفع بشكل ملحوظ مقارنة بالمواسم السابقة.

الذكاء الاصطناعي.. النمو الأقوى تحت المجهر

توقعت البيانات أن تقفز أرباح الشركات الأميركية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 47% خلال الربع الثالث، في ثاني أسرع نمو بين القطاعات بعد الطاقة. كما يتوقع أن يمثل قطاع تكنولوجيا المعلومات نحو ثلث إجمالي أرباح شركات “إس آند بي 500” هذا العام.

وفي آسيا، ينتظر أن تقود شركات تايوان وكوريا الجنوبية نمواً في الأرباح الإقليمية بنحو 66% مدفوعاً بالطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي. لكن الارتفاع القوي لأسهم التكنولوجيا خلال العام رفع مستوى التوقعات، ما يجعل تحقيق مكاسب إضافية أكثر صعوبة.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة “راوند هيل فاينانشال”، ديف مازا، إن مجرد تجاوز التوقعات لم يعد كافياً، إذ يتعين على الشركات رفع توقعاتها السنوية وإثبات قدرتها على الحفاظ على الهوامش الربحية.

وأظهرت نتائج الشركات المبكرة حجم هذا التحدي. فعلى الرغم من تجاوز “مايكرون تكنولوجي” التوقعات وتأكيدها استمرار الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي، جاء تفاعل المستثمرين محدوداً. كما تراجعت أسهم “سامسونغ إلكترونيكس” رغم ارتفاع أرباحها التشغيلية الفصلية بنحو تسعة أضعاف.

في المقابل، استفادت شركات تشغيل شبكات الكهرباء والبنية التحتية من موجة الإنفاق الكبيرة على مراكز البيانات من قبل شركات التكنولوجيا العملاقة مثل “ألفابت” و”أمازون” و”مايكروسوفت” و”ميتا” و”أوراكل”.

لكن تسارع عمليات جمع التمويل أثار قلق المستثمرين، خصوصاً مع صعود عوائد السندات، وهو ما انعكس في اتساع مؤشرات المخاطر الائتمانية لبعض الشركات المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي.

هل يتوسع النمو خارج التكنولوجيا؟

دعمت متانة الاقتصاد العالمي أداء الأسهم خلال العام، إلا أن المستثمرين باتوا يبحثون عن دلائل على مشاركة قطاعات أخرى في نمو الأرباح، مثل السلع الاستهلاكية والصناعة والبنوك.

وقالت مديرة المحافظ في “سي جي أسيت مانجمنت”، إيما مورياتي، إن نتائج القطاعات غير التكنولوجية ستشكل مؤشراً مهماً على صحة الاقتصاد الأوسع، متسائلة عما إذا كان الاقتصاد يسير حالياً في مسارين منفصلين، أحدهما يقوده الذكاء الاصطناعي والآخر يواجه ظروفاً أقل قوة.

وأظهر تحليل لـ”مورغان ستانلي” أن أرباح السهم الوسطي ضمن مؤشر “راسل 3000” مرشحة للنمو بنحو 14% خلال 2026، ما يعكس خلفية أساسية قوية. كما سلط الضوء على قطاع الصناعات الذي لا تزال مراجعات الأرباح فيه إيجابية رغم تراجع التقييمات منذ الصيف.

ورجح كبير الاستراتيجيين في البنك، مايكل ويلسون، أن تشكل جودة الأرباح والتدفقات النقدية الحرة واتساع مراجعات الأرباح العوامل الرئيسية للتمييز بين الشركات خلال الفترة المقبلة.

أوروبا تراهن على الأصول الثقيلة

تفوقت خلال الفترة الأخيرة في أوروبا الأسهم المرتبطة بالأصول المادية كثيفة رأس المال على نظيراتها المعتمدة بشكل أكبر على الأصول الرقمية أو البشرية.

وتضم هذه الفئة، المعروفة اختصاراً بـHALO، قطاعات مثل المرافق والطاقة، ويُنظر إليها باعتبارها أقل عرضة لتقلبات الذكاء الاصطناعي.

وقال ألبيش باتيل، الشريك الإداري في “روت بريدج كابيتال”، إن ميزة أوروبا تكمن في انخفاض التقييمات وطبيعة الأرباح المختلفة، مضيفاً أن الوزن المحدود لشركات التكنولوجيا داخل مؤشر “ستوكس 600” قد يتحول إلى عامل حماية إذا بدأت استثمارات الذكاء الاصطناعي بالضغط على الأرباح.

وفي آسيا، يسعى المستثمرون أيضاً إلى التأكد من قدرة نمو الأرباح على التمدد خارج قطاع التكنولوجيا الذي يهيمن على سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي، بعدما تفوق مؤشر آسيا والمحيط الهادئ التابع لـ MSCI على نظيريه الأميركي والأوروبي هذا العام.

المستهلك تحت الضغط

تأخرت القطاعات المرتبطة بالمستهلك عن أداء السوق خلال العام الجاري بفعل ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة تكاليف التمويل الناجمة عن صعود عوائد السندات، ما ضغط على إنفاق الأسر وأثار مخاوف بشأن أرباح شركات التجزئة والقطاعات المحلية الأخرى.

ويترقب المستثمرون إشارات من الشركات حول مدى تأثير ضعف الطلب الاستهلاكي ومخاوف التضخم في النشاط الاقتصادي الأوسع.

وجاءت المؤشرات الأولية متباينة، إذ سجلت “كوستكو” أرباحاً فاقت التوقعات لكنها أبلغت عن نمو أضعف من المتوقع في العضويات المدفوعة. كما تعرض سهم “إتش آند إم” لضغوط بعد تراجع هوامش الربحية عند استبعاد أثر استردادات الرسوم الجمركية الأميركية.

وفي الصين، تبدو شركات السلع الاستهلاكية مقبلة على موسم أرباح صعب جديد في ظل ضعف الإنفاق وتراجع الثقة وغياب حزم تحفيز كبيرة تدعم الطلب.

البنوك بين مكاسب العوائد ومخاطر الائتمان

استفادت أسهم البنوك في وقت سابق من العام من ارتفاع العوائد الذي عزز توقعات هوامش الإقراض، إلا أن استمرار صعود الفوائد بدأ يثير مخاوف بشأن جودة الائتمان ونمو القروض ونشاط أسواق رأس المال.

وفي أوروبا، تعرض القطاع لضغوط إضافية بفعل المخاوف المالية في فرنسا، ما دفع مؤشر البنوك الأوروبية ضمن “ستوكس 600” إلى التراجع بنحو 8% خلال الأسبوعين الماضيين.

وقالت ناتاليا ليبيخينا، رئيسة استراتيجية الأسهم في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى “جي بي مورغان برايفت بنك”، إن المستثمرين سيركزون على قوة نمو القروض، لكنها رجحت استمرار تفضيل الأسواق الأميركية والناشئة عند تخصيص الاستثمارات الجديدة.

كما خفض “جي بي مورغان” الأسبوع الماضي نظرته لأسهم البنوك في جنوب شرق آسيا، محذراً من أن ارتفاع العوائد طويلة الأجل قد يؤدي إلى خسائر تقييمية ويضغط على إيرادات أسواق رأس المال.

وبين رهانات الذكاء الاصطناعي ومخاوف المستهلك وتقلبات السندات، يبدو أن موسم الأرباح الحالي لن يكون مجرد اختبار لنتائج الشركات، بل امتحاناً لقدرة موجة الصعود العالمية على الاستمرار حتى نهاية العام.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *