أخبار خاصة

كريم سعيد وقانون هيكلة المصارف: الإصلاح نعم …. شطب الودائع لا

ناجي الخوري

في لحظة مالية تُعد من الأكثر حساسية منذ اندلاع الأزمة اللبنانية عام 2019، تبدو مواقف حاكم مصرف لبنان كريم سعيد وكأنها تتجاوز حدود الإدارة النقدية التقليدية لتدخل في صلب النقاش حول شكل النظام المالي الجديد.

فكلامه المتكرر عن استقلالية المصرف المركزي، ورفض تحويله إلى أداة لتمويل السياسات الحكومية، يتقاطع مباشرة مع السجال الدائر والمستمر حول قانون إعادة هيكلة المصارف، كما يلتقي مع الملاحظات التي يواصل صندوق النقد الدولي طرحها على مشاريع القوانين الإصلاحية.

اقتصادياً، لا يمكن قراءة تأكيد الحاكم أن مصرف لبنان يجب أن يكون “قادراً على قول لا” بمعزل عن التجربة التي عاشها لبنان خلال العقدين الماضيين، عندما تحوّل البنك المركزي عملياً إلى الممول الأساسي لعجز الدولة. نموذج كان أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تضخم الخسائر المالية وتآكل الاحتياطات، وصولاً إلى الانهيار الكبير. لذلك، فإن إعادة ترسيم حدود العلاقة بين السلطة المالية والسلطة النقدية تشكل، في نظر كثير من الخبراء، شرطاً أساسياً لأي عملية إصلاح مستدامة.

غير أن البعد الأكثر أهمية في مقاربة الحاكم يتمثل في توصيفه للأزمة بأنها لم تعد أزمة مصرفية فحسب، بل أصبحت أزمة نظامية تشمل الدولة والمصارف والمصرف المركزي معاً، وهو تشخيص يحمل انعكاسات مباشرة على قانون إعادة هيكلة المصارف، لأن معالجة أزمة نظامية تختلف جذرياً عن معالجة تعثر عدد من المصارف. ففي الحالة الأولى تصبح المسؤولية موزعة بين مختلف مكونات الدولة، ولا يمكن تحميل القطاع المصرفي وحده كامل الخسائر.

على الجانب الآخر، تبدو رؤية الحاكم القائمة على إعادة الودائع للمودعين بمثابة رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد. فهي تعني عملياً رفض أي مقاربة تقوم على شطب نسبة كبيرة من الودائع أو تحميل المودعين القسم الأكبر من كلفة الانهيار، وهو الطرح الذي أثار جدلاً واسعاً خلال السنوات الماضية مع بعض المؤسسات الدولية. كما أنها تضع البعد الاجتماعي في صلب أي برنامج إصلاحي، انطلاقاً من أن استعادة الثقة بالنظام المالي لن تتحقق إذا شعر المودعون بأن حقوقهم أصبحت نهائية الضياع.

في هذا السياق، يكتسب النقاش حول قانون إعادة هيكلة المصارف، الجاري “في المال والموازنة” أهمية مضاعفة. فصندوق النقد الدولي يطالب بأن يكون القانون متسقاً مع توزيع واضح للخسائر، ومع آليات شفافة لإعادة رسملة المصارف وحماية صغار المودعين، إضافة إلى ضمان استقلالية السلطات الرقابية وعدم استخدام الأموال العامة بطريقة تعيد إنتاج الأزمة. إلا أن أي تعديل ينسجم مع هذه المعايير يبقى مرتبطاً بالسؤال الأكثر تعقيداً: من سيتحمل الكلفة النهائية للخسائر؟

هنا تبرز تصريحات الحاكم حول استعداده لتسييل بعض أصول مصرف لبنان باعتباره تطوراً لافتاً في النقاش الاقتصادي. ماليا، يشكل هذا الإعلان إشارة إلى استعداد المصرف المركزي للمساهمة في تحمل جزء من أعباء المعالجة، بدلاً من الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على الأطراف الأخرى. لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام سؤال أكثر حساسية يتعلق بالدولة نفسها: فإذا كان المصرف المركزي مستعداً لتسييل جزء من أصوله، فهل تصبح الدولة بدورها مستعدة لإطلاق برنامج منظم لاستثمار أو إعادة هيكلة بعض أصولها الإنتاجية بما يساهم في تكوين صندوق وطني يساعد على إعادة الودائع؟

اقتصادياً، لا يعني بيع الأصول أو استثمارها التفريط بأملاك الدولة، بل قد يشكل جزءاً من خطة متكاملة لإعادة تكوين الرساميل إذا جرى ضمن معايير شفافة وبعيدة عن الخصخصة العشوائية أو البيع بأثمان متدنية. ولذلك يرى عدد من الاقتصاديين أن أي معالجة مستدامة يجب أن تقوم على توزيع متوازن للخسائر بين الدولة والمصارف والمصرف المركزي، مع الحفاظ على حقوق المودعين إلى أقصى حد ممكن.

في المقابل، فإن هذا التوجه قد يضع الحاكم في مواجهة مع ما يُعرف بـ”الدولة العميقة” داخل المنظومة المالية والسياسية، لأن أي إعادة توزيع للخسائر أو إعادة هيكلة فعلية ستفرض مراجعة لسياسات استمرت سنوات طويلة، وستحد من قدرة السلطات التنفيذية مستقبلاً على استخدام المصرف المركزي كمصدر دائم لتمويل العجز.

يبقى العامل الحاسم هو مدى قدرة السلطة السياسية على التوفيق بين رؤية الحاكم ومتطلبات صندوق النقد الدولي. فإذا نجح الطرفان في إيجاد أرضية مشتركة، فقد يشهد قانون إعادة هيكلة المصارف تعديلات جوهرية تعزز استقلالية مصرف لبنان، وتضع آليات أكثر وضوحاً لاستعادة الودائع وإعادة رسملة القطاع المصرفي.

أما إذا بقي الخلاف قائماً حول توزيع الخسائر ومصير أموال المودعين، فإن القانون قد يتحول إلى ساحة مواجهة جديدة تؤخر الاتفاق مع صندوق النقد وتطيل أمد الأزمة.

عليه، فإن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد نقاش قانوني حول إعادة هيكلة المصارف، بل اختباراً لمستقبل النموذج الاقتصادي اللبناني بأكمله. فالمعادلة التي يطرحها حاكم مصرف لبنان تقوم على ثلاث ركائز مترابطة: استقلالية القرار النقدي، حماية حقوق المودعين، وإشراك جميع مكونات الدولة في تحمل كلفة الإنقاذ. وهي معادلة، إذا ما اقترنت بإصلاحات بنيوية وتعديلات متوازنة على قانون إعادة هيكلة المصارف، قد تشكل بداية مسار جديد لاستعادة الثقة بالقطاع المالي اللبناني بعد سنوات من الانهيار.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *