سيدرز ريبورت – خاص
فتحت زيارة الوفد الإماراتي الاستثماري إلى لبنان الباب أمام مرحلة جديدة من البحث في فرص الاستثمار والشراكة الاقتصادية بين البلدين، ولا سيما في المشاريع الكبرى المرتبطة المرافئ والمطارات والمناطق الاقتصادية والخدمات اللوجستية
وفي هذا السياق، يرى رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس ولبنان الشمالي توفيق دبوسي أن الزيارة الإماراتية تحمل دلالات اقتصادية واستثمارية مهمة، ويمكن أن تشكل فرصة لإعادة وضع مشاريع “طرابلس الكبرى” على جدول الأعمال الوطنية والاستثمارية ، باعتبارها منظومة متكاملة تتجاوز تطوير مرفق واحد إلى بناء منصة اقتصادية ولوجستية متكاملة في شمال لبنان.
ويقول دبوسي إن الزيارة “تعبر عن محبة الإماراتيين للبنان واهتمامهم الكبير به”، مشيراً إلى أن الإمارات أصبحت نموذجاً عالمياً في الاستثمارات الذكية وتطوير المرافئ والبنى التحتية والمنظومات الاقتصادية والاستثمارية المتكاملة..
ويضيف:” نحن نطمح إلى أن نرى في لبنان من طرابلس الكبرى استثمارات تشبه تلك التي حققتها الإمارات. وقد عرضنا على الوفد الإماراتي مجموعة من المشاريع التي نعمل عليها منذ 12 عاماً وفي مقدمها المشاريع المحورية لـ”طرابلس الكبرى”وفي طليعتها مرفأ لبنان من طرابلس، مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، والمنطقة الاقتصادية الخاصة ، إلى جانب مختلف الخطط والمشاريع المرتبطة بهذه المكونات”.
من مرفأ طرابلس إلى منصة إقليمية ودولية
ويؤكد دبوسي أن رؤية غرفة طرابلس الكبرى ” لا تقوم على تطوير مرفق بمعزل عن المرافق الأخرى، بل على ربط المرفأ بالمطار والمنطقة الاقتصادية وسائر عناصر البنية التحتية ضمن منظومة واحدة، بما يجعل من طرابلس الكبرى منصة اقتصادية ولوجستية قادرة على خدمة لبنان والاقتصادات المرتبطة بشرق المتوسط”.
ويقول دبوسي أن الدراسات التي أعدتها الغرفة خلال السنوات الماضية تنظر إلى المرفأ باعتباره مرفقاً محورياً يمكن تطوير دوره على المستوى الإقليمي، بالتوازي مع تطوير مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات – عكار، وربط هذه المكونات بالملف الاستراتيجي الذي تتابع الغرفة العمل عليه منذ أكثر من عقد من السنوات.
وفي هذا الإطار، يلفت دبوسي إلى أن التواصل مع الجانب الإماراتي، ولا سيما مع موانئ دبي العالمية DP WORLD
سبق أن تناول فرصاً استثمارية متنوعة، إلا أن الظروف التي كانت سائدة في مراحل سابقة لم تكن مؤاتية تساعد على الانتقال الى خطوات تنفيذية .
أما اليوم، فيرى أن أهمية الطرح تنبع من التحولات الإقليمية والدولية، ومن عودة الإهتمام الإماراتي بتوسيع الشراكات الاستثمارية في المنطقة، بما قد يفتح نافذة جديدة أمام المشاريع اللبنانية الكبرى.
هل يكون مرفأ طرابلس “المرفأ المئة”؟
من هنا يبرز السؤال الذي يختصر الطموح: ” هل يمكن أن يصبح مرفأ طرابلس المرفأ المئة في شبكة الموانئ التي تديرها شركات إماراتية حول العالم”؟
ويشدد دبوسي على أن تعبير “المرفأ المائة” يجب أن يُقرأ في إطار الطموح والرؤية المستقبلية، لا باعتباره رقماً متفقاً عليه أو نتيجة محسومة. الشبكات العالمية التي تديرها شركات إماراتية، تضم عشرات الموانئ والمحطات والمرافق البحرية والبرية في مناطق مختلفة من العالم..
وعن إمكانية أن يصبح مرفأ لبنان من طرابلس الكبرى محطة جديدة ضمن شبكة عالمية تديرها الشركة الإماراتية، يقول دبوسي إنه لا يشك ” في نوايا المسؤولين اللبنانيين والإماراتيين، ولا في وجود إرادة مشتركة لفتح صفحة جديدة في العلاقات الاقتصادية” .
ويضيف:” طموحنا أن يكون لدينا مرفأ لبناني على مستوى عالمي في شرق المتوسط، وأن نطلق من خلاله استثمارات كبرى تفتح المجال أمام شركات إماراتية في لبنان. وإذا نجحنا في ذلك، فسيكون مرفأ طرابلس جزءاً من شبكة عالمية ذات قيمة استراتيجية واقتصادية كبيرة”.
شراكة إماراتية تحتاج إلى قرار لبناني
غير أن تحويل هذا الطموح إلى واقع، بحسب دبوسي، لا يتوقف على رغبة المستثمر وحدها، بل يحتاج إلى قرار لبناني واضح وإلى بيئة استثمارية قادرة على استقطاب الاستثمارات الكبرى.
ويرى أن نجاح المشاريع يتطلب معالجة التعقيدات الإدارية والتنظيمية التي طالما ” أعاقت تنفيذ المشاريع الاستثمارية الكبرى في لبنان، خصوصاً أن المستثمرين الدوليين، والإماراتيين بصورة خاصة، يحتاجون إلى “بيئة واضحة وسريعة وآمنة لتنفيذ المشاريع”.
ويؤكد أن المطلوب هو “قرار سياسي وإداري لبناني عام وواضح يحمي الاستثمار، ويؤمّن مساراً تنفيذياً فعالاً، ويمنح المستثمر رؤية واضحة حول حقوقه والتزاماته وآليات تنفيذ المشاريع.
وتكتسب هذه الرؤية زخماً إضافياً في ضوء الخطوات الأخيرة على مستوى العلاقات اللبنانية–الإماراتية، ولا سيما توقيع مذكرة تفاهم بين لبنان والإمارات في 27 آب 2026 لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري وتطوير الشراكة الاقتصادية بين البلدين، إضافة إلى انعقاد منتدى الأعمال الإماراتي–اللبناني في بيروت، بمشاركة رسمية واقتصادية، لبحث فرص الاستثمار والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
دبوسي: الوقت مناسب للانتقال من الدراسات إلى التنفيذ
ويؤكد دبوسي أن ما يميز المرحلة الراهنة هو أن لبنان لا يحتاج إلى البدء من الصفر. لأن المشاريع موجودة، والدراسات موجودة، وما ينقص هو الانتقال من مرحلة الأفكار والدراسات إلى مرحلة التنفيذ والشراكة”. ونحن لا نطرح مشاريع جديدة اليوم، بل نضع أمام المستثمرين مشاريع عملنا عليها منذ سنوات كما ذكرت مرفأ محوري، ومطار محوري، ومنطقة اقتصادية، ومنصة للطاقة والنفط والغاز، وإعادة توظيف المساحات المتاحة حول هذه المشاريع، إضافة إلى الاستثمار في معرض رشيد كرامي الدولي”.
ويرى دبوسي أن التجربة الإماراتية في تطوير المرافئ والمطارات والمناطق الاقتصادية واللوجستية تمثل نموذجاً يمكن للبنان الاستفادة منه، قائلاً: ” “لقد حققت الإمارات إنجازات عالمية في هذه المجالات، ونحن نريد أن نتشارك معها في مشاريع موجودة لدينا وقابلة للتطوير .واليوم ” نعتقد أن الوقت أصبح مناسباً”.
ما الخطوة التالية؟
بعد زيارة الوفد الإماراتي، يبدو التحدي الأساسي هو الانتقال من مستوى النقاش العام إلى تحديد المشاريع ذات الأولوية، ووضعها ضمن مسارات تنفيذية قابلة للبحث والتفاوض والاستثمار. وفي هذا الإطار، يكشف دبوسي أنه سيضع رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس الحكومة الدكتور نواف سلام في أجواء اللقاءات والنتائج التي تحققت خلال الزيارة الإماراتية، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى متابعة رسمية واقتصادية متواصلة، وتحويل التوجهات العامة إلى مشاريع محددة، ودراسات تنفيذية، وأطر واضحة للشراكة..ويختم دبوسي قائلاً:”إذا نجحنا في إطلاق شراكة إماراتية– لبنانية في طرابلس الكبرى، وأثبتت هذه الشراكة قدرتها على رفد المالية العامة اللبنانية، وتوفير فرص العمل، وتحريك الاقتصاد، فعندئذ يمكن أن تتحول إلى نموذج قابلاً للتعميم على مختلف المناطق اللبنانية.
وبذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط ما إذا كان مرفأ طرابلس سيصبح “المرفأ رقم 100” في شبكة إماراتية عالمية، بل ما إذا كان لبنان قادراً على تحويل موقع طرابلس مرفئها ومطار القليعات ومشاريعها الاقتصادية إلى منظومة استثمارية متكاملة تستقطب شريكاً إماراتياً بحجم الخبرة العالمية التي راكمتها الإمارات في الموانئ واللوجستيات والمناطق الاقتصادية.
فإذا توافرت الإرادة السياسية، والقرار الإداري، والبيئة التشريعية والاستثمارية الملائمة، فقد لا يكون السؤال عندها عن “رقم المرفأ” ” بقدر ما سيكون عن بداية مرحلة جديدة تجعل لبنان من ” طرابلس الكبرى منصة اقتصادية ولوجستية إقليمية، ومن الشراكة اللبنانية–الإماراتية نموذجاً للاستثمار في لبنان.







