يشهد القطب الشمالي سباقا لفتح ممر تجاري جديد بين آسيا وأوروبا، لكن الجغرافيا والسياسة والتكلفة ومخاطر المناخ قد تؤجل تحوله إلى طريق عالمي لعقود طويلة.
شكك تحليل نشرته صحيفة فايننشال تايمز في واقعية منطقة القطب الشمالي كممر تجاري محتمل. وقال التحليل إن التوقعات بشأن الإمكانات التجارية للمنطقة تتزايد خصوصًا مع الحديث عن طرق شحن جديدة يمكن أن تعيد تشكيل أنماط التجارة العالمية.
لكن الواقع يشير إلى أن تحويل هذه المسارات إلى نشاط تجاري واسع النطاق سيحتاج إلى سنوات طويلة، وربما عقود، رغم التسارع الملحوظ في ذوبان الجليد وارتفاع درجات الحرارة في المنطقة.
المنطقة التي تضم نحو ثلث الغاز غير المكتشف في العالم، وثُمن احتياطيات النفط غير المكتشفة، لا يتم تنمية وتطوير مواردها وبنيتها التحتية بالشكل المناسب.
ممر تجاري جديد؟
وفي أحدث مؤشر على إمكانية حدوث تحول تجاري في المنطقة، أعلنت شركة «سي ليجند» الصينية المتخصصة في شحن الحاويات أنها ستطلق خدمة منتظمة عبر القطب الشمالي.
ومن المقرر أن تبحر إحدى سفن الشركة بين مدينة نينغبو الصينية وميناء فيلكستو على الساحل الشرقي لبريطانيا، عبر ما يُعرف باسم «طريق البحر الشمالي» الممتد أعلى الأراضي الروسية.
ويأتي هذا التطور بعد تسجيل طريق البحر الشمالي العام الماضي رقمًا قياسيًا في عدد الرحلات الكاملة التي عبرته، وهو مسار يمكنه نظريًا تقليص زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا إلى النصف.
لكن رغم هذه التطورات، تظل الحقيقة الصعبة أن الشحن عبر القطب الشمالي لا يزال نشاطًا تجاريًا محدود النطاق، ولا يزال الطريق طويلًا قبل أن يتحول إلى نموذج أعمال واسع وقابل للاستمرار.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة الشحن الدنماركية العملاقة «ميرسك»، فينسنت كليرك، إن الجانب التجاري للطريق «لم يتحقق بعد»، مشيرًا إلى أن الطريق لا يزال بعيدًا جدًا عن التعامل مع غالبية أحجام التجارة العالمية، وربما يحتاج الأمر إلى عقود.
كما أن «طريق البحر الشمالي» -بعد العقوبات المفروضة على روسيا في أعقاب اندلاع حرب أوكرانيا – أصبح مستخدمًا بصورة أساسية لنقل النفط والموارد المعدنية الروسية من المناطق الشمالية المتجمدة حيث تقلص عبور السفن الأجنبية فيه.
“طريق الحرير الجليدي”
ومع ذلك، فإن الطريق يحمل أهمية خاصة بالنسبة للصين، التي تبحث عن بدائل لمسارات التجارة العالمية التي تمر عبر نقاط اختناق بحرية يمكن أن تكون خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة أو حلفائها. وتمثل هذه المسألة مصدر قلق متزايد لبكين، وهو ما دفعها إلى دراسة فكرة إنشاء ما يمكن وصفه بـ«طريق الحرير الجليدي».
لكن طريق البحر الشمالي لا يخلو بدوره من نقاط الاختناق. فالمسار بأكمله يقع تحت السيطرة الروسية، ما يعني أنه قد يستبدل نقطة اختناق بأخرى. كما أن مدخل الطريق يمر عبر مضيق بيرينغ، الذي تقع الولايات المتحدة على أحد جانبيه.
ويشكل زمن الرحلة عنصرًا آخر في المعادلة. فخدمة «سي ليجند» الأسبوعية تعلن أنها ستخفض الرحلة المعتادة بين الميناءين، والتي تستغرق نحو 40 يومًا، إلى النصف. لكن الخدمة المخطط لها ستعمل خلال ثلاثة أشهر فقط في فصل الصيف، وهو أمر لا يوفر مستوى الاعتمادية الذي تحتاج إليه غالبية الشركات وسلاسل الإمداد.
كما تبرز مخاوف من أن تكون الرحلات عبر القطب الشمالي أكثر تكلفة مما تبدو عليه، إذ قد تتلاشى وفورات الوقود الناتجة عن قصر المسافة أمام التكاليف الإضافية المرتبطة بكاسحات الجليد وغيرها من المتطلبات التشغيلية.
3 مشكلات رئيسية
ويرى فينسنت كليرك أن هناك 3 مشكلات رئيسية يجب حلها قبل أن يكتسب الطريق زخمًا تجاريًا حقيقيًا. أولها جيوسياسي، إذ تجعل العقوبات المفروضة على روسيا الطريق حاليًا غير متاح لمعظم شركات الشحن العالمية. وثانيها بيئي، يتعلق بالعواقب المحتملة لأي حادث يقع في البيئة القطبية الحساسة.
أما المشكلة الثالثة فهي تجارية، إذ إن عدم القدرة على التنبؤ بموعد فتح الطريق وإغلاقه يجعل من الصعب على شركات الشحن بناء خدمات منتظمة يمكن للعملاء الاعتماد عليها.
وقال فينسنت كليرك إن العملاء لا يريدون تغييرات متكررة في مواعيد التسليم، لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب كامل في جداول الشحن ويجعل التخطيط بالغ الصعوبة.
وبحسب رئيس «ميرسك»، قد يتمكن الطريق في المستقبل من منافسة النقل بالسكك الحديدية بين آسيا وأوروبا، لكنه لن ينافس بسهولة النقل البحري بالحاويات، الذي يمثل أحد المحركات الأساسية للعولمة الحديثة.
ولهذا، من غير المرجح أن تقدم أي شركة كبرى في مجال شحن الحاويات خدمة واسعة عبر القطب الشمالي في المستقبل القريب تنافس مئات سفن الحاويات التي تعبر حاليًا قناة السويس ومضيق ملقا.





