ناجي الخوري
وفقا لآخر الارقام المستقاة من الدوائر الرسمية في وزارة، سجيل خلال شهر أيار الفائت تسجيل 3,655 صفقة بيع عقارية بقيمة 376 مليون دولار، بارتفاع نسبته 4.64% مقارنة بشهر نيسان، ما يوحي بأن السوق العقارية اللبنانية بدأت تستعيد جزءاً من نشاطها بعد أشهر طويلة من الجمود الذي فرضته الحرب والتوترات الأمنية.
إلا أن القراءة الاقتصادية العميقة لهذه الأرقام تكشف أن ما يجري لا يمثل حتى الآن انتعاشاً شاملاً، بل يعكس تغيراً في طبيعة الطلب واتجاهات المستثمرين، ويعبر عن اقتصاد يحاول التقاط أنفاسه وسط بيئة مالية ونقدية لا تزال شديدة الهشاشة.
فالانخفاض في متوسط قيمة الصفقة إلى نحو 102,870 دولاراً، بنسبة تراجع بلغت 3.15%، يحمل دلالات أكثر أهمية من ارتفاع عدد الصفقات نفسه. إذ يشير إلى أن الحركة الحالية تقودها الشقق السكنية الصغيرة والمتوسطة والأراضي ذات الأسعار المحدودة، وليس الاستثمارات العقارية الكبرى أو المشاريع الفاخرة التي كانت تشكل المحرك الأساسي للسوق قبل الأزمة المالية التي اندلعت عام 2019.
تحول يعكس تغيراً واضحاً في تركيبة المشترين. فالمستثمر الكبير لا يزال متردداً بسبب استمرار الضبابية السياسية، بينما يقود السوق اليوم أفراد يسعون إلى تأمين مسكن، أو مغتربون يستفيدون من انخفاض الأسعار مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة، أو مستثمرون يبحثون عن تحويل السيولة النقدية إلى أصول حقيقية تحافظ على قيمتها في ظل استمرار ضعف الثقة بالقطاع المصرفي.
نشاط لا يمكن فصله عن الواقع المالي اللبناني. فمنذ انهيار النظام المصرفي، فقدت الودائع دورها التقليدي كوسيلة ادخار آمنة، وأصبحت العقارات أحد أهم الملاذات لحفظ الثروة. ولذلك فإن جزءاً مهماً من الطلب الحالي لا يعكس ازدهاراً اقتصادياً بقدر ما يعكس هروباً من المخاطر المالية والنقدية. فالعقار بات بالنسبة إلى كثيرين بديلاً عن الحسابات المصرفية وليس استثماراً إنتاجياً يخلق قيمة مضافة للاقتصاد.
لكن في المقابل، فإن تحسن السوق العقارية يحمل بعض المؤشرات الإيجابية. فهو ينعش قطاعات مترابطة مثل شركات البناء والهندسة، ومكاتب الوساطة العقارية، وصناعة الإسمنت ومواد البناء، والنقل والخدمات القانونية، ما يخلق دورة اقتصادية محدودة يمكن أن تساهم في تحريك الطلب الداخلي، خاصة إذا ترافق ذلك مع استمرار الهدوء الأمني.
إقليمياً، تأتي هذه الحركة ضمن مرحلة تشهد تغيرات سياسية واقتصادية مهمة في الشرق الأوسط. فالحديث عن تفاهمات إقليمية وتراجع احتمالات المواجهة العسكرية الواسعة يمنح المستثمرين هامشاً أكبر من الثقة، ولو بصورة مؤقتة. كما أن بدء عودة الحركة التجارية والسياحية تدريجياً في عدد من دول المنطقة ينعكس نفسياً على الأسواق اللبنانية التي لطالما تأثرت بالتطورات الإقليمية أكثر من تأثرها بالعوامل الداخلية.
غير أن هذا الانتعاش يبقى معرضاً للتراجع سريعاً إذا لم يتحول وقف إطلاق النار إلى استقرار سياسي دائم. فالأسواق العقارية بطبيعتها تستجيب بسرعة للأحداث الأمنية، وأي تصعيد جديد قد يعيد المشترين إلى حالة الانتظار ويؤجل قرارات الاستثمار، خصوصاً في ظل استمرار غياب الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة.
فمن زاوية الاقتصاد السياسي، تكشف هذه الأرقام أيضاً استمرار الاختلال البنيوي في الاقتصاد اللبناني. ففي الاقتصادات السليمة، يقود النموَ الاستثمارُ في الصناعة والتكنولوجيا والإنتاج والصادرات، بينما يعتمد الاقتصاد اللبناني بصورة متزايدة على القطاعات الريعية، وفي مقدمتها العقارات. وهذا يعني أن ارتفاع النشاط العقاري، رغم أهميته، لا يعوض غياب النمو الحقيقي في القطاعات المنتجة التي تخلق فرص العمل وترفع الإنتاجية.
كما أن استمرار انخفاض متوسط قيمة الصفقات يدل على تراجع القدرة الشرائية للأسر اللبنانية، حتى بعد تحسن نسبي في الاستقرار الأمني. فغالبية المواطنين لم تستعد دخولها السابقة، بينما لا تزال مستويات الفقر والبطالة مرتفعة، الأمر الذي يدفع المشترين إلى البحث عن وحدات أقل سعراً وأكثر ملاءمة لقدراتهم المالية.
من جهة أخرى، فإن أي تحسن مستقبلي في العلاقات الاقتصادية بين لبنان والدول العربية، ولا سيما دول الخليج، قد يشكل عاملاً إضافياً لدعم السوق العقارية. فعودة الاستثمارات الخليجية والسياحة العربية، إلى جانب تنشيط حركة التحويلات من المغتربين، يمكن أن توفر سيولة جديدة تدفع السوق إلى مرحلة أكثر استدامة، بدلاً من الاعتماد فقط على الطلب المحلي المحدود.
عليه، تعطي الأرقام العقارية لشهر أيار إشارة إيجابية لكنها لا تعني خروج الاقتصاد اللبناني من أزمته. فهي تعكس استجابة مباشرة لتحسن المناخ الأمني أكثر مما تعكس تحولاً اقتصادياً هيكلياً.
مستقبل انتعاش يبقى مرتبطاً بثلاثة عوامل أساسية: تثبيت الاستقرار الأمني، إطلاق الإصلاحات المالية والمصرفية، واستعادة ثقة المستثمرين المحليين والعرب والدوليين.
فمن دون هذه الشروط، سيبقى الانتعاش العقاري محدوداً وموسمياً، يعكس قدرة اللبنانيين على التكيف مع الأزمات أكثر مما يعكس بداية تعافٍ اقتصادي حقيقي ومستدام.







