أخبار خاصة

كيف أعادت المخاوف الأمنية رسم مزاج المستهلك اللبناني؟

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت

دخل المستهلك اللبناني في بلد يعيش على الأزمات المتلاحقة ، مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: البقاء أولاً، وكل شيء آخر مؤجل. فوفق تحليل اتجاهات الرأي العام والتفاعلات الرقمية على منصتي X وReddit، يقترب مؤشر ثقة المستهلك اللبناني من أدنى مستوياته التاريخية، وسط مناخ من القلق الجماعي الناتج عن هشاشة الوضع الأمني، واستمرار التهديدات الإقليمية، وانعدام اليقين بشأن مستقبل الهدنة الحالية.

البيانات الرقمية تشير إلى أن نحو 65% من المستخدمين يتبنون موقفاً سلبياً وتشاؤمياً، مدفوعين بالخوف من تجدّد القصف، وارتفاع الأسعار، وتراجع الأمن الغذائي والخدماتي. في المقابل، يلتزم حوالي 25% حالة ترقب حذرة بانتظار ما ستؤول إليه الاجتماعات الدولية، ولا سيما التحركات الدبلوماسية المرتبطة بالملف اللبناني، قبل اتخاذ أي قرارات شرائية أو استثمارية. أما الفئة المتفائلة، فلا تتجاوز 10%، وتراهن على نجاح الضغوط والوساطات الدولية في تثبيت تهدئة أكثر استدامة.

هذا المزاج العام انعكس مباشرة على سلوك الاستهلاك. فقد تحوّل الإنفاق لدى غالبية اللبنانيين نحو الاحتياجات الأساسية فقط، مثل الغذاء، والدواء، والخدمات الصحية، والطاقة البديلة، بينما تشهد القطاعات الترفيهية والاستثمارية حالة شلل شبه كاملة. شراء السيارات، الاستثمار العقاري، وحتى اقتناء السلع المعمّرة، كلها قرارات باتت مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

على منصة X، برزت بوضوح ظاهرة الشراء الاستباقي ، حيث تصاعدت المنشورات التي تتحدث عن تخزين المواد الغذائية، والمحروقات، والأدوية، تحسباً لأي تدهور أمني مفاجئ أو توسع في دائرة العمليات العسكرية. كما هيمنت الانتقادات للمشهد الحكومي، وسط اتهامات بعدم وجود خطط طوارئ جدية للإيواء أو لحماية الموسم الدراسي والخدمات الأساسية.

أما على منصة Reddit، فجاءت النقاشات أكثر عمقاً وأقل انفعالاً، لكنها لم تكن أقل تشاؤماً. غالبية المستخدمين ينظرون إلى مهلة الـ45 يوماً باعتبارها مجرد “مسكّن مؤقت” أو هدنة هشة لا توفر ضمانات حقيقية للاستقرار طويل الأمد. ومن هنا، تبرز حالة تجميد جماعي للإنفاق الكبير، مع تصاعد القلق من موجة نزوح جديدة وما يرافقها من ارتفاع جنوني في بدلات الإيجار، خصوصاً في المناطق المصنّفة أكثر أماناً.

في موازاة ذلك، تزايدت النقاشات المرتبطة بالهجرة والعمل عن بُعد وتحويل الأموال إلى الخارج، بما يعكس توجهاً متنامياً لدى شريحة واسعة من اللبنانيين للبحث عن مظلات أمان مالية خارج الاقتصاد المحلي.

سياسياً، تكشف البيانات عن ارتباط وثيق بين المزاج الاستهلاكي والانقسام الداخلي حول مستقبل لبنان الأمني والسيادي. ففي ملف خطط السلام والتسويات الأمنية، أظهرت التحليلات أن 55% من المشاركين يؤيدون بشكل مشروط أي مسار دولي يفضي إلى الاستقرار وإعادة الإعمار، شرط الحفاظ على السيادة ووقف الانتهاكات. في المقابل، يرفض 35% هذه المسارات باعتبارها تنازلات سياسية أو إملاءات خارجية، فيما يفضل 10% التركيز فقط على النتائج المعيشية بعيداً عن الاصطفافات السياسية.

أما في ما يتعلق بدور حزب الله في الحياة السياسية، فيبدو الانقسام أكثر حدّة. إذ تُحمّل فئة واسعة الحزب مسؤولية تعميق عزلة لبنان الاقتصادية وربطه بمحاور إقليمية مكلفة، فيما ترى فئة أخرى أن دوره العسكري والسياسي يشكل عنصر ردع لا يمكن التخلي عنه في ظل غياب توازن القوى مع إسرائيل.

وتُظهر الكلمات المفتاحية الأكثر تداولاً حجم القلق المسيطر على الفضاء الرقمي اللبناني: وقف إطلاق النار، غارات، غلاء الأسعار، احتكار، نزوح، مراكز إيواء، الدولار، انعدام الأمان، حصر السلاح، الجيش اللبناني، السلم الأهلي.

في الخلاصة، لا يعيش اللبناني اليوم أزمة اقتصادية فقط، بل أزمة ثقة وجودية. السوق لا يتحرك وفق مؤشرات مالية بحتة، بل تحت وطأة الخوف والترقب. المستهلك اللبناني لم يعد يبحث عن النمو أو الرفاهية، بل عن الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح له بالتخطيط لأسبوعه المقبل.

وبين هدنة مؤقتة ومخاوف مفتوحة على احتمالات التصعيد، يبدو أن الاقتصاد اللبناني دخل مرحلة يمكن وصفها بـاقتصاد الانتظار القَلِق؛ حيث تُجمّد القرارات، وتُختزل الأولويات، ويبقى السؤال معلّقاً: هل تتحول الهدنة إلى فرصة استقرار حقيقي، أم أنها مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من عدم اليقين.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *