أخبار خاصة

حرب إيران تعيد رسم “بريكس”

ناجي الخوري

في خضم التحولات المتسارعة في النظام الدولي، تبرز مجموعة “بريكس” بوصفها أحد أهم تعبيرات التحدي البنيوي المتنامي “للهيمنة الغربية” على الاقتصاد والسياسة العالميين. غير أن هذا التكتل الذي توسّع مؤخرًا ليشمل دولًا ذات ثقل إقليمي مثل إيران، مصر، الإمارات وإثيوبيا، لم يعد مجرد منصة تنسيق اقتصادي بين قوى صاعدة، بل تحوّل إلى ساحة تلاقي، وأحيانًا تصادم، بين رؤى استراتيجية متباينة حول مستقبل النظام الدولي.

واقع يكسب التساؤل حول “هل تنهار بريكس؟”، أهمية مضاعفة في ظل التصعيد العسكري الأميركي – الإسرائيلي ضد إيران، باعتبارها إحدى الدول المحورية الجديدة داخل المنظومة الموسعة، وأحد أكثر عناصرها إثارة للتوتر الجيوسياسي.

لم يكن إدخال إيران إلى “بريكس” مجرد توسع تقني في العضوية، بل خطوة ذات دلالات استراتيجية عميقة، إذ حملت في طياتها رسالة سياسية مفادها أن الكتلة تتجه نحو تعزيز طابعها “المضاد للهيمنة الغربية”. إلا أن هذا التوجه اصطدم سريعًا بواقع شديد التعقيد، يتمثل في أن “بريكس” ليست تحالفًا متجانسًا، بل تجمع لدول تختلف جذريًا في أولوياتها الاستراتيجية.

فالصين تنظر إلى التكتل كأداة لتوسيع النفوذ الاقتصادي وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، بينما تسعى روسيا إلى استخدامه كرافعة لكسر العزلة الغربية المفروضة عليها، في حين تتبنى الهند مقاربة براغماتية حذرة تحاول من خلالها الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الغرب دون التفريط بمكاسبها داخل الجنوب العالمي. أما البرازيل وجنوب إفريقيا، فهما أقرب إلى منطق التوازنات الاقتصادية منه إلى الاصطفافات الجيوسياسية.

في هذا الاطار، جاء التصعيد الأميركي – الإسرائيلي ضد إيران ليشكّل اختبارًا قاسيًا لقدرة بريكس على التحول من “منصة تنسيق” إلى “كتلة موقف”. فإيران، التي تشكل اليوم أحد أكثر الملفات حساسية داخل التكتل، وضعت الأعضاء الآخرين أمام معضلة استراتيجية: إلى أي مدى يمكن ل “بريكس” أن تتبنى موقفًا موحدًا تجاه حرب تتداخل فيها اعتبارات الأمن الإقليمي، الطاقة، الملاحة الدولية، والعقوبات الأميركية؟
الواقع أن هذا السؤال كشف بسرعة حدود التماسك الداخلي، حيث أظهرت مواقف الأعضاء خلال قمتهم الاخيرة، تباينًا واضحًا بين من يدعو إلى ضبط النفس ومن يفضّل تجنب أي مواجهة سياسية مع واشنطن، ما انعكس غيابا لاي بيان ختامي.

غير أن الأهم من ذلك،يبقى في أن هذه الحرب لا تُختبر فيها “بريكس” من حيث التضامن السياسي فحسب، بل من حيث قدرتها على حماية مشروعها الاقتصادي الأوسع، وعلى رأسه مسار تقليل الاعتماد على الدولار وإعادة تشكيل النظام المالي العالمي. فالحروب الكبرى تاريخيًا تؤدي إلى إعادة تمركز رأس المال العالمي حول الملاذات الآمنة التقليدية، وفي مقدمتها الدولار، ما يعني أن التصعيد ضد إيران لا يضغط فقط على عضو داخل المجموعة، بل يخلق بيئة دولية تعاكس الطموحات البنيوية للتكتل ككل. هكذا، تتحول الأزمة من حدث إقليمي إلى عامل كابح لمسار طويل الأمد يسعى إلى إعادة توزيع القوة المالية عالميًا.

مع ذلك، فإن الحديث عن انهيار التجمع يبدو مبالغًا فيه من منظور جيواستراتيجي دقيق. فالتكتل، رغم هشاشته البنيوية، لا يقوم على التزامات أمنية أو تحالفات عسكرية يمكن أن تتفكك تحت ضغط الحرب، بل يقوم على مصالح اقتصادية متقاطعة يمكنها أن تتعايش حتى في ظل الخلافات السياسية. هذا يعني أن السيناريو الأقرب ليس التفكك، بل “التصلب غير المتكافئ” داخل الكتلة، حيث تتعمق المحاور الفرعية (الصين – روسيا – إيران من جهة، والهند – البرازيل من جهة أخرى)، دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار الإطار العام.

فالحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، تعمل كمجهر يكشف التناقضات الداخلية أكثر مما يعمل كسكين يقطع أوصال التكتل، حيث تظهر “بريكس” ليست لا كمشروع موحد بقدر ما هي بنية انتقالية في نظام دولي يعاد تشكيله بعنف واضطراب. بالتالي، فإن مستقبلها لا يتوقف على حدث واحد أو مواجهة واحدة، بل على قدرة أعضائها على إدارة التناقض بين الطموح السياسي والواقع الجيوسياسي، وبين خطاب “تعددية الأقطاب” وحقائق الاقتصاد العالمي الذي لا يزال متمركزًا حول الغرب.

هكذا، يمكن القول إن السؤال الحقيقي ليس “هل تنهار بريكس؟”، بل إلى أي نموذج ستتطور بريكس تحت ضغط الحروب الإقليمية الكبرى وإعادة تشكل النظام الدولي؟.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *