خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين، تصادف جلوس تشو تشونفي بجانب الرئيس التنفيذي لشركة “تسلا” ومؤسس “سبيس إكس”، إيلون ماسك، ورئيس “أبل” تيم كوك، ما أثار حالة من التساؤلات حول المرأة التي توسطت عملاق التكنولوجيا وصانع آيفون وأغنى رجل في العالم.
تعد قصة تشو واحدة من أبرز القصص الملهمة في النجاح وبناء الثروة، حيث انتقلت الفتاة الصينية من حياة الفقر كعاملة في أحد المصانع إلى صدارة قائمة الثروة، لتصبح اليوم واحدة من أبرز الأسماء المؤثرة في سلاسل الإمداد العالمية، وفقاً لما ذكرته صحيفة “The Economic Times”، واطلعت عليه “العربية Business”.
حين ظهرت تشو جالسة بين الرئيس التنفيذي لشركة “أبل” تيم كوك ورجل الأعمال إيلون ماسك خلال مأدبة رسمية رفيعة المستوى في بكين، لم يكن المشهد مجرد لقطة بروتوكولية، بل كان دليلاً واضحاً على صعود نفوذ شركات التصنيع الصينية في قلب منظومة التكنولوجيا العالمية.
تشو، التي تعد حالياً أغنى امرأة في الصين، لم تصل إلى هذه المكانة عبر مسار تقليدي. فقد غادرت المدرسة في سن الخامسة عشرة، لتعمل في مصانع جنوبي البلاد، ضمن موجات العمالة التي رافقت انطلاقة الصين الصناعية. غير أن مسيرتها اختلفت عن ملايين العمال الآخرين، إذ ركزت على فهم تفاصيل التصنيع بدقة، ما مهد الطريق أمامها لتأسيس مشروعها الخاص في عام 1993.
بدأت الشركة كورشة صغيرة للطباعة على الزجاج المستخدم في الساعات، لكنها سرعان ما تطورت مع إدراك تشو لأهمية التصنيع الدقيق في ظل التوجه نحو الأجهزة الإلكترونية الأصغر والأكثر تعقيداً. ومع مرور الوقت، تحولت شركتها “لينس تكنولوجي” إلى أحد أهم موردي الزجاج المتطور والمكونات الحساسة في العالم.
وجاءت نقطة التحول الكبرى مع انخراط الشركة في سلسلة إمداد شركة “أبل”، حيث بدأت في إنتاج الزجاج المستخدم في هواتف “آيفون”، قبل أن توسع نشاطها لاحقاً ليشمل شركات مثل “تسلا” و”سامسونغ”، ما عزز موقعها كمزود رئيسي لمكونات التكنولوجيا المتقدمة.
في عام 2015، طرحت “لينس تكنولوجي” أسهمها في بورصة شينتشن، ما أدى إلى قفزة كبيرة في ثروة تشو، لتصبح واحدة من أبرز النساء العصاميات في العالم، في قصة تباينت مع نماذج الثروة التقليدية المعتمدة على الوراثة أو المضاربات المالية.
وبعيداً عن رمزية الصور الدبلوماسية، تعكس مكانة تشو بين قادة التكنولوجيا العالميين الدور المحوري الذي تلعبه شركتها في تقاطع صناعات متعددة. تعتمد “أبل” على موردين قادرين على تحقيق أعلى معايير الدقة، بينما تحتاج “تسلا” إلى مكونات متطورة لدعم السيارات الذكية والتقنيات المستقبلية، وهو ما توفره “لينس” عبر خبرتها في الزجاج والمعادن وأنظمة الربط الدقيقة.
ولم تعد الشركة تقتصر على سوق الهواتف الذكية، إذ توسعت إلى مجالات تشمل السيارات الكهربائية، ونظارات الواقع المعزز، والأجهزة القابلة للارتداء، وأنظمة المقصورات الذكية، وصولاً إلى مكونات الطيران والروبوتات. هذا التوسع يعكس توجهاً استراتيجياً نحو اقتناص فرص النمو في عصر الذكاء الاصطناعي والأجهزة المتصلة.
يشير هذا التحول إلى تغير أعمق في استراتيجية التصنيع الصينية، التي تسعى للانتقال من نموذج الإنتاج منخفض التكلفة إلى تقديم حلول صناعية متكاملة ذات قيمة مضافة عالية، خاصة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتنقل الذكي.
مع ذلك، لا تخلو المسيرة من التحديات. فقد أظهرت نتائج الشركة في الربع الأول من عام 2026 تراجعاً في الإيرادات وتحولاً إلى الخسائر، نتيجة تباطؤ الطلب على الهواتف الذكية وتقلبات أسعار الصرف، وهو ما يعكس الضغوط التي تواجهها شركات التصنيع عالمياً مع نضوج سوق الإلكترونيات الاستهلاكية.
في المقابل، تراهن “لينس تكنولوجي” على قطاعات جديدة مثل أجهزة الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للتنقل الذكي لتعويض هذا التباطؤ، رغم المنافسة الشديدة وارتفاع التكلفة الاستثمارية في هذه المجالات.




