أخبار اقتصادية

الأمير الوليد بن طلال آل سعود…مسيرة صعود أغنى عربي على مدار 4 عقود

من تأمين عقود مشاريع البناء في الرياض خلال ثمانينات القرن الماضي، إلى ترسيخ موقعه في شركة (xAI) يمثل الأمير الوليد بن طلال نموذجًا يُحتذى به في توظيف رأس المال على المدى الطويل، وتبنّي نهج استثماري غير تقليدي لاقتناص الفرص.

اليوم، يعد الأمير الوليد بن طلال آل سعود، أغنى ملياردير عربي بثروة قدرها 19.9 مليار دولار. لكن مسيرته المهنية بدأت بخطوات أكثر تواضعًا. بعد دراسته في كلية الملك عبد العزيز الحربية بالرياض، حصل على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال من (Menlo College) في كاليفورنيا، ثم عاد بعد تخرجه إلى الرياض عام 1979 ليؤسس شركة المملكة القابضة في العام التالي تحت اسم “مؤسسة المملكة للتجارة والمقاولات”، برأسمال قدره 30 ألف دولار قدمه له والده، وفقًا لسيرته الذاتية، بالإضافة إلى قرض بقيمة 300 ألف دولار من البنك السعودي الأميركي آنذاك، المملوك جزئيًا من (Citigroup). وفي عام 1982، أنجز مشروعه العقاري الأول في الرياض، ثم أعاد استثمار أرباحه في القطاع ذاته، بدلًا من إنفاقها في مجال آخر. بهذا، بدا أن التزامه المبكر بإعادة الاستثمار، والقدرة على اقتناص الفرص، وتوجيه رأس المال على المدى الطويل، قد وضع حجر الأساس لفلسفته الاستثمارية.

تجلّت هذه الفلسفة بأوضح صورها في مطلع التسعينات، حين واجه بنك سيتي كورب (Citicorp)، الذي أصبح لاحقًا سيتي غروب، صعوبات كبيرة نتيجة القروض المتعثرة والضغوط التنظيمية. وكانت تلك نقطة تحوّل فارقة في مسيرة الأمير الوليد بن طلال، حتى أن سيرته الذاتية خصصت لها فصلًا كاملًا. وفي وقتٍ لزم فيه المستثمرون الحذر وترقّب استقرار السوق، شرع الأمير الوليد بتعزيز استثماراته في الأسهم بخطوات مدروسة، بعيدًا عن الأضواء، قبل أن يضخ رأس مال ضخم بنحو 800 مليون دولار، منها أسهم ممتازة بقيمة 590 مليون دولار، في وقت بدا فيه مستقبل البنك غامضًا. وبحلول عام 2005، ارتفعت قيمة استثماراته إلى 10 مليارات دولار، ما جعله في ذلك الوقت، من بين أغنى 10 أشخاص في العالم، وأكسبه لقبًا، تبناه وشجّع على انتشاره: “بافيت العرب”.

في عام 2007، تعاون مع شركة الاستثمار الخاصة، والتابعة إلى بيل غيتس، لشراء سلسلة فنادق فورسيزونز، وتحويلها إلى شركة خاصة، عبر صفقة بلغت قيمتها 3.8 مليار دولار. وفي عام 2011، استثمر الوليد وشركة المملكة القابضة 130 مليون دولار في منصة تويتر، المعروفة الآن باسم (X). وعندما تولى إيلون ماسك إدارة تويتر في صفقة استحواذ بقيمة 44 مليار دولار عام 2022، رفض الوليد بيع حصته، مفضلًا دعم الرئيس التنفيذي الجديد. ثم في عام 2024، استثمرت شركة المملكة القابضة أيضًا 800 مليون دولار في شركة الذكاء الاصطناعي (xAI) التابعة لماسك، ضمن جولتي التمويل من الفئة (B) و(C) ما رفع إجمالي قيمة استثماراتها عبر منصة (X) وشركة (xAI) إلى 7.5 مليار دولار. في شباط 2026، ارتفعت القيمة الإجمالية لاستثمارات المكتب الخاص للأمير الوليد، وشركة المملكة القابضة في مشاريع إيلون ماسك، بما في ذلك شركات (X) و(xAI) و(SpaceX) و(Starlink) إلى 9.2 مليار دولار.

وحسب قائمة فوربس لأثرياء العالم عام 2026، يحتل الأمير الوليد بن طلال المرتبة 135 عالميًا، ويعد أغنى عربي بثروة صافية تقدر بـ19.9 مليار دولار. في حين يرتبط الجزء الأكبر من هذه الثروة في شركة المملكة القابضة، الذراع الاستثمارية المدرجة في السوق المالية السعودية (تداول)، التي يرأسها الوليد ويملك 78.1 % منها، حيث بلغت قيمة محفظتها الاستثمارية 24 مليار دولار في كانون الأول 2025.

ومن خلال هذه الشركة، يتبع الملياردير السعودي البالغ من العمر 71 عامًا، استراتيجية استثمارية متنوعة، تقوم على الجمع بين حصص الأسهم ذات ثقة عالية في عوائدها، وأصول أكثر استقرارًا في قطاع الضيافة والعقارات المحلية. أما على مستوى الاستثمارات في الأسهم، فيعكس هذا النهج امتدادًا لأسلوب طبّقه سابقًا حين استثمر مع سيتي غروب.

خلال ذلك، تُعزّز الاستثمارات في قطاع الضيافة، متانة هذه الاستراتيجية وتوازنها؛ إذ تضم محفظته حصصًا في مجموعات عالمية، تشمل 23.75% في فورسيزونز، و6.8% في مجموعة أكور، إلى جانب أصول بارزة، كفندق جورج الخامس في باريس، التي استفادت من انتعاش السفر الفاخر بعد جائحة كورونا. كما تعكس مجموعة من الشراكات البارزة هذا التوجه، من بينها اتفاقية عام 2023 لتطوير منتجع جديد لفورسيزونز بقيمة 530 مليون دولار على ساحل البحر الأحمر في السعودية، فضلًا عن خطط إعادة افتتاح فندق بيروت بعد إعادة بنائه مطلع عام 2027. وتؤكد هذه التحركات تركيزًا واضحًا على مشاريع ملموسة تقودها علامات تجارية قوية، بما يتماشى مع تنامي الطلب على التجارب الفاخرة في المنطقة.

فيما تظل الاستثمارات العقارية ركيزة محورية ضمن هذه الاستراتيجية، مع تمركزها بشكل رئيسي داخل السعودية. وتشارك شركة المملكة القابضة في تطوير مشاريع معمارية بارزة، مثل برج جدة الذي يواصل التقدم في مراحل البناء، بارتفاع ألف متر، ليكون الأطول عالميًا. إلى جانب محفظة من الأصول العقارية في الرياض. وتوفّر هذه الاستثمارات المحلية، عامل توازن في مواجهة تقلبات أسواق الأسهم العالمية، كما تتكامل مع أولويات تطوير البنية التحتية على المستوى الوطني.

ويمتد هذا التنويع ليشمل قطاع الطيران، الذي بدأ يحقق قيمة مضافة ملموسة مؤخرًا. فبعد الطرح العام الأولي لشركة الطيران الاقتصادي، طيران ناس بقيمة 1.1 مليار دولار في حزيران 2025، والذي شهد إقبالًا قويًا من المستثمرين، احتفظت شركة المملكة القابضة بحصة بلغت 27.4%، حيث باعت جزء من حصتها، محققة مكاسب قدرها 59.5 مليون دولار من هذه الصفقة.

يشبّه الأمير الوليد بن طلال بعض جوانب أسلوبه الاستثماري، بأسلوب وارن بافيت، مؤكدًا أنهما “يتشاركان في فلسفة استثمارية متقاربة جدًا”. أما صفقة عام 2022، التي بيع بموجبها 16.9% من شركة المملكة القابضة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي مقابل 1.6 مليار دولار، فتشكل نموذجًا آخر لإدارة رأس المال، إذ وفّرت سيولة مالية واحتفظت بالسيطرة على الشركة.

وفي نيسان 2026، وقّع صندوق الاستثمارات العامة وشركة المملكة القابضة اتفاقية ملزمة، تستحوذ بموجبها الأخيرة على 70% من شركة نادي الهلال السعودي، مقابل 224 مليون دولار.

وتعكس النتائج المالية لعام 2025، مدى فعالية نموذج الأمير الوليد المتوازن في الاستثمار. فقد بلغت القيمة السوقية لشركة المملكة القابضة 10.3 مليار دولار في 31 آذار 2026، بينما سجل صافي الأرباح العائدة للمساهمين ارتفاعًا بنسبة 73%، ليصل إلى 572 مليون دولار بنهاية العام الماضي. وفي آذار 2026، أوصى مجلس الإدارة بتوزيع أرباح نقدية سنوية، في مؤشر واضح على الثقة باستدامة التدفقات النقدية للشركة.

وحسب فوربس، يمتد النفوذ الاستثماري للأمير الوليد خارج إطار شركة المملكة القابضة، ليشمل: عقارات في السعودية، ومجموعة روتانا المنتجة للأفلام والموسيقى العربية، بالإضافة إلى حصة تقدر بنحو 1.5% في شركة وسائل التواصل الاجتماعي Snap.

وبوصفه أغنى مستثمر عربي، تكشف مسيرة الأمير الوليد الإجمالية، عن مسار متماسك امتد لأكثر من 4 عقود: الانضباط المبكر في إعادة الاستثمار، الذي انطلق من صفقات الأراضي في الرياض، ثم توسع ليشمل استثمارات عالمية عبر رهان سيتي غروب. واليوم، يضعه هذا النهج نفسه في المساحة التي يتقاطع فيها التغيير المدفوع بالتكنولوجيا، مع قطاع الضيافة الفاخرة، وديناميكيات التوسع الاقتصادي الإقليمي.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *