عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
تكشف في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، الأرقام النقدية في لبنان عن واقع أكثر تعقيداً مما توحي به النسب المئوية المحدودة. فالمؤشرات الصادرة عن مصرف لبنان للأسبوع المنتهي في 12 آذار 2026 لا تعكس مجرد تراجع تقني في الكتلة النقدية، بل ترسم ملامح اقتصاد يواصل الانكماش تحت وطأة أزمة ممتدة منذ عام 2019، دون أفق واضح للتعافي.
فقد سجّلت الكتلة النقدية بمفهومها الواسع (M4) انخفاضاً إلى نحو 5,918 تريليون ليرة لبنانية، مقارنةً مع 5,933 تريليون ليرة في الأسبوع السابق، أي بتراجع نسبته 0.26%. ورغم أن هذا الانخفاض يبدو محدوداً، إلا أنه يندرج ضمن مسار تراكمي من التراجع يعكس تقلّص السيولة في الاقتصاد، وتراجع القدرة على التمويل والاستهلاك في آن واحد.
ولا يقتصر هذا التراجع على المؤشر الأشمل، إذ أظهرت البيانات انخفاضاً متزامناً في مختلف المكونات النقدية. فقد تراجعت الكتلة النقدية بالليرة (M2) إلى 139,597 مليار ليرة، فيما انخفضت الكتلة النقدية الضيقة (M1) إلى 102,996 مليار ليرة. كذلك سجّل النقد المتداول والودائع تحت الطلب تراجعاً ملحوظاً، في وقت انخفضت فيه الودائع بالعملات الأجنبية، ما يعكس استمرار النزيف في ثقة المودعين بالنظام المصرفي.
هذا التراجع في النقد المتداول، والذي بلغ نحو 744.82 مليار ليرة خلال أسبوع واحد، يحمل دلالات مزدوجة. فمن جهة، يعكس انكماشاً في النشاط الاقتصادي وتراجعاً في الطلب على السيولة، نتيجة ضعف الاستهلاك والاستثمار. ومن جهة أخرى، قد يشير إلى نوع من التشدد النقدي غير المباشر، حيث يسعى مصرف لبنان إلى ضبط الكتلة النقدية للحد من الضغوط التضخمية. إلا أن هذه السياسة، في اقتصاد يعاني أصلاً من ركود حاد، قد تؤدي إلى تعميق الانكماش بدل معالجته.
وفي موازاة ذلك، تستمر الودائع في التراجع، سواء بالليرة أو بالعملات الأجنبية، وهو ما يعكس أزمة ثقة بنيوية لم تُحلّ منذ اندلاع الأزمة المالية. فبحسب تقييم البنك الدولي، تُعد الأزمة اللبنانية من بين الأسوأ عالمياً منذ أكثر من قرن، وقد أدت إلى تآكل غير مسبوق في الودائع وانهيار فعلي في دور القطاع المصرفي كوسيط مالي.
تقرير البنك الدولي حول الأزمة في لبنان
ومن المؤشرات اللافتة أيضاً، تراجع محفظة سندات الخزينة المكتتب بها من قبل القطاع غير المصرفي، ما يدل على ضعف شهية المستثمرين المحليين للاكتتاب في الدين العام، وتزايد اعتماد الدولة على التمويل من المصرف المركزي. وهذا الواقع يزيد من تعقيد إدارة الدين، خصوصاً في ظل غياب إصلاحات مالية جذرية تعيد التوازن إلى المالية العامة.
المفارقة الأبرز في المشهد النقدي اللبناني تكمن في تزامن الانكماش النقدي مع استمرار الضغوط التضخمية. فعلى الرغم من تراجع الكتلة النقدية، لا تزال الأسعار مرتفعة، مدفوعة بعوامل خارجية مثل ارتفاع أسعار الطاقة والسلع عالمياً، وبعوامل داخلية أبرزها تقلب سعر الصرف واعتماد الاقتصاد الكبير على الاستيراد. هذه الحالة، التي تجمع بين الركود والتضخم، تُصنّف ضمن ما يُعرف بـ”الركود التضخمي”، وهي من أصعب الحالات الاقتصادية معالجة.
وفي هذا السياق، يشير صندوق النقد الدولي إلى أن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات، تشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتوحيد سعر الصرف، وضبط المالية العامة ضمن إطار اتفاق شامل.
ولا يمكن عزل هذه التطورات النقدية عن السياق الإقليمي، حيث تسهم التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط في زيادة الضغوط على ميزان المدفوعات اللبناني، وتعزيز الطلب على العملات الأجنبية، ما ينعكس بدوره على استقرار الليرة والسيولة بالعملة الوطنية.
اما التتائج النهائية ، فتعكس مؤشرات آذار 2026 عن واقع اقتصاد لا يزال في مرحلة “إدارة الأزمة” بدل الخروج منها. فالسياسات النقدية الحالية، رغم مساهمتها في الحد من التدهور السريع، تبقى إجراءات ظرفية لا يمكن أن تعوّض غياب الإصلاحات البنيوية. ويبقى العامل الحاسم في مسار المرحلة المقبلة هو استعادة الثقة، وهي مهمة لا يمكن تحقيقها إلا عبر مسار إصلاحي شامل يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمصارف والمودعين، ويضع الاقتصاد اللبناني على سكة التعافي الحقيقي







