أخبار خاصة

بيار الخوري: الاستقرار النقدي القائم يجب دعمه بانضباط مالي فعلي، لأن تمويل العجز سيعيد إنتاج الاختلالات المالية العامة… تعافي الاقتصاد يحتاج الى ثلاث وخمس سنوات

اميمة شمس الدين – سيدرز ريبورت

يعيش اللبنانيون حالة ترقب مع سريان وقف إطلاق النار على أمل أن لا تعود الحرب مجدداً
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بإمكانية تعافي الاقتصاد بعد وقف اطلاق النار و كم نحتاج من الوقت كي ينهض الاقتصاد و ما هو المطلوب لذلك؟
في هذا الإطار يرى الكاتب في الإقتصاد السياسي الدكتور بيار الخوري في حديث لسيديرز ريبورت أن التعافي ممكن لكنه ليس سريعًا، وهو يقاس بقدرة الدولة على استعادة الحد الأدنى من الوظائف الاقتصادية قبل أي حديث عن نمو فعلي.
في حالة لبنان يشير الخوري إلى أنه بعد وقف إطلاق النار، الزمن الأدنى لإيقاف التدهور يتراوح بين ستة أشهر وسنتين، حيث يتم تثبيت الإيقاع الاقتصادي وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والاتصالات لافتاً أن الانتقال إلى مرحلة التعافي الحقيقي يحتاج ثلاث إلى خمس سنوات إذا ترافق الاستقرار الأمني مع قرارات مالية ومؤسساتية حاسمة.
أما بالنسبة للنهوض الكامل إلى مستوى اقتصاد قادر على النمو المستدام فهو يتطلب وفقاً للخوري ما لا يقل عن سبع إلى عشر سنوات لأن البنية الإنتاجية الحالية ضعيفة والاقتصاد فقد عمقه التمويلي، معتبراً أن وقف إطلاق النار بحد ذاته لا يشكل ضمانة للاستقرار، بل يمثل حالة تعليق للصراع أكثر مما هو تسوية له. غياب أفق سياسي واضح أو إطار دائم يضبط التوترات يجعل البيئة الاقتصادية عرضة لهزات مفاجئة.
ويقول الخوري: هذا النوع من اللايقين يدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى سلوك دفاعي، حيث يتم تأجيل الاستثمار طويل الأجل، ويُفضل الاحتفاظ بالسيولة أو تحويلها إلى الخارج. و نتيجة ذلك، يبقى النشاط الاقتصادي في حدوده الدنيا حتى مع توقف العمليات العسكرية، ويتحول أي تحسن إلى مكاسب قصيرة الأجل قابلة للتبخر عند أول إشارة توتر.

و حول توقعاته لسعر الصرف قال الخوري : سعر الصرف في حد ذاته لم يعد مركز الأزمة كما كان في السنوات الأولى، إذ شهد استقرارًا نسبيًا منذ 2023 ضمن نطاق ضيق و هذا الاستقرار ناتج عن توازن مؤقت بين تدفقات العملات الصعبة من الخارج وانكماش الطلب الداخلي، أكثر مما هو نتيجة نظام نقدي متماسك أو قدرة إنتاجية معتبراً أن أهميته تكمن في أنه خفف الصدمات اليومية وسمح بحد أدنى من التسعير المتوقع، لكنه لا يمثل استقرارًا هيكليًا يمكن البناء عليه وحده و أي تغير في حجم التدفقات أو في مستوى الاستهلاك يعيد الضغط بسرعة، لذلك، دوره في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار هو توفير أرضية أقل اضطرابًا، وليس معالجة جوهر الأزمة.

ورأى الخوري أن المشكلة ليست فقط في الدمار المادي بل في انهيار الثقة، وهذه لا تُبنى عبر التصريحات بل عبر أفعال قابلة للقياس و أي مسار تعافٍ يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقطاع المالي، لأن النظام المصرفي بصيغته الحالية غير قادر على لعب دور الوسيط، موضحاً أن إعادة الهيكلة المصرفية تصبح نقطة ارتكاز، مع توزيع واضح للخسائر بدل ترحيلها. بدون ذلك، أي تدفق أموال خارجية سيتحول إلى استهلاك مؤقت لا إلى استثمار منتج.

ويقول الخوري: السياسة الاقتصادية تحتاج إلى إطار متماسك يعيد وظيفة الدولة كمنظم لا كمصدر اضطراب، و الاستقرار النقدي القائم يجب دعمه بانضباط مالي فعلي، لأن تمويل العجز سيعيد إنتاج الاختلالات. المالية العامة تحتاج إلى إعادة ضبط عميقة، تخفيض الهدر، تحسين الجباية، وإعادة توجيه الإنفاق نحو البنية التحتية والخدمات ذات الأثر المباشر على الإنتاج، مؤكداً أن الاقتصاد لا ينهض عبر القروض فقط، بل عبر إعادة تشغيل محركاته لافتاً أن القطاعات القابلة للانتعاش السريع في لبنان هي الخدمات المرتبطة بالاغتراب، السياحة إذا استمر الاستقرار، وبعض الأنشطة التكنولوجية الخفيفة، أما الصناعة والزراعة فهي تحتاج وقتًا أطول لأنها تعتمد على تمويل طويل الأجل واستقرار في كلفة الطاقة. أي مسار واقعي سيبدأ بتعافٍ غير متوازن قبل أن يتسع تدريجيًا.

و أشار الخوري إلى أن الدور الخارجي حاسم لكنه مشروط فأي دعم دولي سيبقى محدودًا إذا لم يقترن بإصلاحات واضحة وقابلة للتحقق و المؤسسات الدولية لا تضخ أموالًا في بيئة غير مستقرة مؤسساتيًا لافتاً في في المقابل إلى أن التحويلات من الخارج يمكن أن تشكل شبكة أمان مؤقتة لكنها لا تبني اقتصادًا.

وختم الخوري بالقول: المخاطر الأساسية تبقى داخلية أكثر منها خارجية وعودة التوتر الأمني تعيد الاقتصاد إلى نقطة الصفر و الفساد يعطل أي تدفق استثماري و غياب القرار السياسي يؤخر كل شيء حتى لو توفر التمويل. كما أن استمرار فقدان الثقة بالعملة يدفع إلى دولرة أعمق تحد من قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد لافتاً أن التجارب المقارنة تظهر أن الدول التي تعافت بسرعة فعلت ذلك عبر صدمة إصلاحية واضحة وليست تدريجية مثل رواندا التي أعادت بناء مؤسساتها بسرعة مع انضباط صارم. والبوسنة تعثرت بسبب التعقيد السياسي أما العراق امتلك موارد كبيرة لكنه عانى من ضعف الإدارة مؤكداً أن الدرس العملي هو أن الموارد وحدها لا تكفي، والحوكمة هي العامل الفاصل.

ورأى أن الزمن الواقعي للنهوض في لبنان ليس أقل من خمس سنوات لرؤية نتائج ملموسة، ولا أقل من عشر سنوات لبناء اقتصاد مستقر و البداية الفعلية تتحدد بخمس خطوات لا تحتمل التأجيل: إعادة هيكلة النظام المصرفي بشكل شفاف، تثبيت الاستقرار النقدي القائم ضمن إطار مؤسسي واضح بدل الاعتماد على التوازنات المؤقتة، إقرار موازنة منضبطة تقلص العجز، إطلاق برنامج إعادة إعمار يركز على البنية الأساسية المنتجة، وفرض قواعد حوكمة تقلص الهدر وتعيد الحد الأدنى من الثقة،”وبدون هذه الخطوات، أي حديث عن تعافٍ يبقى توصيفًا نظريًا”.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *