عصام شلهوب -سيدرز ريبورت
يشهد العجز التجاري في لبنان اتساعاً مقلقاً مع مطلع عام 2026، إلا أنّ خطورة هذا التطور لا تكمن فقط في الأرقام بحد ذاتها، بل في تزامنه مع سياق إقليمي مضطرب يضاعف من هشاشة الاقتصاد اللبناني ويحدّ من قدرته على امتصاص الصدمات.
فالأرقام الصادرة عن إدارة الجمارك اللبنانية، والتي أظهرت ارتفاع العجز إلى نحو 1.36 مليار دولار في كانون الثاني 2026، تعكس خللاً بنيوياً متراكماً، إلا أنّ هذا الخلل بات اليوم أكثر ارتباطاً بالعوامل الجيوسياسية المحيطة. فالتراجع الحاد في الصادرات بنسبة تقارب 48% لا يمكن فصله عن تعطل سلاسل التوريد البرية عبر سوريا، والتي تُعدّ الممرّ الأساسي للصادرات اللبنانية نحو الأسواق العربية، ولا سيما العراق ودول الخليج.
في المقابل، يأتي ارتفاع فاتورة الاستيراد في وقت تشهد فيه المنطقة تقلبات حادة في أسعار الطاقة والشحن، نتيجة التوترات الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط. فالتصعيد العسكري في المنطقة، والضغوط على الممرات البحرية، ينعكسان مباشرة على كلفة الاستيراد في بلد يعتمد بشكل شبه كامل على الخارج لتأمين احتياجاته الأساسية. وهنا، يصبح أي ارتفاع في أسعار النفط أو تكاليف النقل عبئاً مضاعفاً على الميزان التجاري، وعلى القدرة الشرائية للمواطنين في آن معاً.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن طبيعة الشركاء التجاريين للبنان. فكون سويسرا والصين في صدارة الدول المصدّرة إلى لبنان يعكس نمط استيراد يتركّز على السلع المرتبطة بالذهب والمعادن والسلع الصناعية، في حين أن تصدّر الإمارات العربية المتحدة لوجهات الصادرات اللبنانية يشير إلى استمرار الاعتماد على أسواق محدودة، كثير منها يرتبط بإعادة التصدير أو بالطلب الظرفي على سلع محددة كالأحجار الكريمة.
إقليمياً، يتقاطع هذا التدهور مع تحولات اقتصادية عميقة في الدول العربية. فدول الخليج، رغم الفوائض المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، باتت تركّز على حماية أسواقها الداخلية وتعزيز إنتاجها المحلي ضمن رؤى اقتصادية طويلة الأمد، ما يحدّ من فرص النفاذ السهل أمام الصادرات اللبنانية. أما في دول مثل مصر والأردن، فإن الضغوط الاقتصادية والتضخمية تقلّص بدورها الطلب على الواردات، بما فيها السلع اللبنانية.
داخلياً، يتفاقم أثر العجز التجاري بسبب الأزمة المالية المستمرة منذ عام 2019، والتي أضعفت قدرة القطاعات الإنتاجية على التصدير نتيجة ارتفاع كلفة التشغيل، وصعوبة الوصول إلى التمويل، وتدهور البنية التحتية. كما أن تقلبات سعر الصرف وعدم الاستقرار النقدي يزيدان من عدم القدرة على التخطيط التجاري، سواء للمصدرين أو المستوردين.
وتشير تقارير بنك الاعتماد اللبناني، المستندة إلى بيانات الجمارك، إلى أن هذا النمط من العجز لم يعد ظرفياً، بل بات يعكس نموذجاً اقتصادياً غير متوازن، يعتمد على تدفقات خارجية غير مستقرة (تحويلات، مساعدات، أو رساميل قصيرة الأجل) لتمويل استهلاك داخلي مرتفع.
في ضوء ذلك، يصبح العجز التجاري أكثر من مجرد مؤشر اقتصادي، بل مرآة لتقاطع الأزمات: أزمة داخلية بنيوية، وأخرى إقليمية جيوسياسية. ومع استمرار التوترات في المنطقة، وغياب إصلاحات هيكلية جدية في الداخل، يُخشى أن يتحول هذا العجز إلى عامل ضغط إضافي على الاستقرار النقدي والاجتماعي، في بلد يواجه أصلاً تحديات غير مسبوقة على مختلف المستويات.
◦







