أخبار اقتصادية

النفط على حافة الحرب: سوقٌ منقسم بين براميل الخوف وجغرافيا القوة

عصام شلهوب -ريبورت نيوز
عندما تختلط أصوات المدافع بأرقام الأسواق،لا يعود النفط مجرد سلعة تُسعَّر وفق العرض والطلب، بل يصبح مرآة مباشرة لميزان القوة في العالم. فالتصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يُنتج فقط مواجهة عسكرية، بل أطلق واحدة من أخطر الأزمات النفطية منذ سبعينيات القرن الماضي، مع فارق جوهري: العالم اليوم أكثر هشاشة، والصدمة أعمق.

سوق مكسور برميلان بسعرين

ينقسم سوق النفط العالمي للمرة الأولى بهذا الوضوح إلى جغرافيتين منفصلتين:
• في آسيا، يُتداول النفط عند مستويات تقارب 150–155 دولاراً للبرميل
• في أوروبا، يتحرك خام برنت حول 100 دولار
• في الولايات المتحدة، يبقى خام غرب تكساس دون 100 دولار

هذه الفجوة التي تتجاوز 50 دولاراً للبرميل الواحد ليست مجرد تفاوت في الأسعار، بل دليل على أن السوق فقد وحدته. لم يعد هناك “سعر عالمي” واحد، بل أسعار متعددة تعكس قدرة كل منطقة على الوصول إلى الإمدادات.

في قلب هذا الانقسام، تظهر آسيا كأكبر المتضررين، حيث تدفع اقتصادات مثل الصين والهند كلفة أعلى بكثير للحصول على البرميل نفسه، ما يعني أن “تدمير الطلب” بدأ فعلياً عبر ارتفاع الأسعار إلى مستويات لا يمكن للصناعة تحمّلها.

حين تتحول جغرافيا مضيق هرمز إلى سلاح

يبقى مضيق هرمز العامل الحاسم في هذه المعادلة. فالمضيق، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح أداة ضغط استراتيجية.

إغلاقه أو تعطّله لا يعني فقط نقصاً في الكميات، بل خلق “علاوة خوف” ترفع الأسعار بما يقارب 30 إلى 40 دولاراً للبرميل، بعيداً عن أي منطق اقتصادي تقليدي. وهنا، يدخل السوق في مرحلة نفسية، حيث تُسعّر المخاطر قبل أن تقع.

إن المقارنة مع أزمة عام 1973 تكشف حجم التحول: يومها، أدى حظر شمل نحو 7% من الإمدادات إلى صدمة عالمية. أما اليوم، فالتهديد يطال ما يقارب 20% من الإمدادات، أي ثلاثة أضعاف تقريباً.

ثلاثة نماذج نفطية في قلب العاصفة
وسط هذا الانقسام، تتباين قدرة القوى النفطية الكبرى على التكيّف مع الأزمة.

الولايات المتحدة: قوة المرونة

تستفيد الولايات المتحدة من نموذجها القائم على النفط الصخري، الذي يمنحها قدرة على زيادة الإنتاج بسرعة نسبية، كما أنها أقل اعتماداً على طرق الشحن عبر الخليج. هذا ما يفسّر بقاء أسعارها أقل من آسيا.

لكن هذه الأفضلية تخفي نقطة ضعف: الاستنزاف السريع للاحتياطي الاستراتيجي، الذي بلغ أدنى مستوياته منذ ثمانينيات القرن الماضي، مع سحب مئات ملايين البراميل في فترة قصيرة. إنها تربح الوقت… لكنها تستهلك شبكة الأمان.

الخليج ثروة تحت التهديد

دول الخليج تمتلك أرخص إنتاج نفطي في العالم، لكنها الأكثر عرضة للمخاطر. فاعتمادها الكبير على مضيق هرمز يجعلها في قلب الأزمة.

ارتفاع الأسعار يمنحها أرباحاً قياسية، لكن أي تعطّل طويل في التصدير قد يحوّل هذه الأرباح إلى خسائر فادحة. إنها معادلة دقيقة بين العائد المالي والخطر الجيوسياسي.

روسيا المستفيد الهادئ

في المقابل، تقف روسيا في موقع أكثر راحة. فهي تستفيد من ارتفاع الأسعار، بينما تبقى بعيدة نسبياً عن اختناقات الخليج. كما أن توجهها نحو آسيا يعزز موقعها كمصدر بديل في ظل الأزمة.
روسيا هنا لا تقود المشهد، لكنها تحصد ثماره.

آسيا قلب العاصفة الاقتصادية

إذا كانت الأسعار المرتفعة تُترجم أرباحاً في أماكن، فهي في آسيا تتحول إلى أزمة حقيقية. فارتفاع النفط إلى مستويات 150 دولاراً يضرب مباشرة:
• القطاع الصناعي
• كلفة الإنتاج
• سلاسل الإمداد

وقد بدأت المؤشرات تظهر:
• مصانع تخفف إنتاجها أو تتوقف
• طلبات التصدير تتراجع
• سفن عالقة قرب مضيق هرمز
• دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة تواجه ضغوطاً طاقوية حادة

إنها بداية انتقال الأزمة من سوق الطاقة إلى الاقتصاد الحقيقي.

الاحتياطات الاستراتيجية: شبكة أمان تتآكل

في مواجهة الصدمة، لجأت الدول الكبرى إلى سحب غير مسبوق من الاحتياطات الاستراتيجية.
• وكالة الطاقة الدولية ضخت مئات ملايين البراميل
• الولايات المتحدة وحدها استخدمت جزءاً ضخماً من مخزونها

لكن هذه الأداة، رغم فعاليتها المؤقتة، ليست حلاً دائماً. ومع استمرار الاستهلاك، يبرز خطر حقيقي: ماذا يحدث عندما تنفد هذه الاحتياطات في ظل حرب مستمرة؟

العالم بين التضخم والركود

ارتفاع النفط لا يبقى في قطاع الطاقة، بل ينتقل إلى كل مفاصل الاقتصاد:
• النقل
• الغذاء
• الصناعة

وهذا يعيد شبح التضخم بقوة، ويضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة بين دعم النمو وكبح الأسعار. ومع استمرار الأزمة، يتزايد خطر الدخول في ركود تضخمي عالمي.

النفط كسلاح… والسوق كمرآة للحرب

ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة أسعار، بل تحوّل عميق في بنية سوق الطاقة العالمية.
• الولايات المتحدة تستفيد من مرونتها لكنها تستنزف احتياطها
• الخليج يربح مالياً لكنه يقف على خط النار
• روسيا تحصد مكاسب هادئة
• آسيا تدفع الثمن الأكبر اقتصادياً

أما مضيق هرمز، فيبقى المفتاح:
إما أن يُفتح، فيعود السوق تدريجياً إلى التوازن،
أو يبقى مغلقاً، فيدخل العالم مرحلة جديدة من صدمة الطاقة قد تتجاوز في آثارها كل ما عرفه منذ عام 1973.

في هذا المشهد، لم يعد السؤال كم يبلغ سعر النفط، بل:
من يملك القدرة على الوصول إليه… ومن يُحرم منه.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *