محمد فحيلي
ليس أخطر على لبنان اليوم من بقائه على اللائحة الرمادية لـ مجموعة العمل المالي، ولا أكثر تضليلاً من التعامل مع هذا الملف وكأنه مسألة تقنية يمكن تأجيلها أو ترحيلها.
ما جرى في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة في قصر بعبدا ليس تفصيلاً إدارياً. هو مؤشر سياسي صريح على أن أصحاب القرار في لبنان لا يزالون يتعاملون مع أخطر تهديد يطال النظام المالي بعقلية المماطلة.
في تلك الجلسة، طُرح، أو كان يفترض أن يُطرح، ملف ملاحقة المؤسسات غير الممتثلة لإجراءات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. هذا ليس بنداً عادياً. هذا هو جوهر المعركة للخروج من اللائحة الرمادية.
لكن بدل أن يُتخذ قرار حاسم، حازم، وواضح، كان الرد: التأجيل.
تأجيل ماذا؟ تأجيل تطبيق القانون؟ تأجيل حماية النظام المالي؟ تأجيل استعادة الثقة؟
الحقيقة الصادمة هي الآتية: لبنان لا يفتقر إلى القوانين، ولا إلى التعاميم، ولا حتى إلى الأطر التنظيمية. ما يفتقر إليه هو الجرأة على التنفيذ عندما تمسّ الإجراءات مراكز النفوذ.
اللائحة الرمادية ليست توصيفاً تقنياً. إنها حكم دولي على مستوى المخاطر في الدولة. وجود لبنان على هذه اللائحة يعني عملياً أن كل تحويل مالي، كل علاقة مصرفية، وكل استثمار خارجي يمر عبر عدسة الشك. والأسوأ، أن الاتحاد الأوروبي وضع لبنان أيضاً ضمن لائحة الدول عالية المخاطر، ما يضاعف الكلفة ويقفل الأبواب.
الخروج من هذه اللوائح لا يتم عبر البيانات ولا عبر الوعود. يتم عبر خطوة واحدة لا بديل عنها: فرض الامتثال بالقوة القانونية، دون استثناءات.
لكن هنا تكمن المشكلة.
حين تصبح المؤسسات غير الممتثلة محمية سياسياً، يتحول تطبيق القانون إلى خيار، لا إلى واجب. وحين يخضع الامتثال للتفاوض، يصبح النظام المالي برمّته رهينة.
ما يريده المجتمع الدولي واضح: إجراءات ملموسة، ملاحقات فعلية، وعقوبات تطبَّق.
وما يقدّمه لبنان حتى الآن هو العكس: تسويف، تردّد، وقرارات مؤجلة. هذا ليس فقط تقصيراً. هذا انعدام جدّية. والأخطر من ذلك، أن هذه اللامبالاة لا تأتي في لحظة عادية. لبنان يقف على حافة الانزلاق من اللائحة الرمادية إلى ما هو أسوأ. الانتقال إلى اللائحة السوداء ليس سيناريو نظرياً، بل احتمال واقعي إذا استمر هذا النهج.
وعندها، لن يكون الثمن تقنياً أو مصرفياً فقط. سيكون الثمن اقتصادياً شاملاً: عزلة مالية، خنق للاستثمارات، وارتفاع إضافي في كلفة أي تعامل مع الخارج، وكل العمليات المالية العابرة للحدود.
الرسالة التي خرجت من مجلس الوزراء، سواء أُريد لها ذلك أم لا، هي التالية: النفوذ السياسي لا يزال أقوى من متطلبات الإصلاح.
وهذه الرسالة، بحد ذاتها، كفيلة بإبقاء لبنان حيث هو أو دفعه إلى الأسوأ.
السؤال لم يعد: هل يستطيع لبنان الخروج من اللائحة الرمادية السؤال أصبح: هل يريد فعلاً الخروج منها؟ لأن الفرق بين البقاء والخروج لا يُقاس بالقوانين المكتوبة، بل بالقرارات التي تُتخذ أو لا تُتخذ.
لبنان على اللائحة الرمادية: المشكلة ليست تقنية بل سياسية
Shares:





