أخبار اقتصادية

ماذا ستجني أميركا من كأس العالم في نهاية المطاف؟

قبل أسابيع من انطلاق كأس العالم 2026 في أميركا الشمالية، يبيع “فيفا” تذاكر المقاعد البعيدة جداً لمباريات المنتخب الأميركي بسعر رسمي يقارب ألفي دولار. أما الجماهير المقتدرة، فتستطيع شراء باقة ضيافة لشخصين بسعر يتجاوز ثمن سيارة فاخرة.

ويتساءل المشجعون كيف وصلت الأمور إلى هذا المستوى من المبالغة. فالوضع الحالي يختلف تماماً عن الفترة التي كانت فيها بطولة كأس العالم تقوم على اتفاق غير معلن، بحيث تتحمل الدول التكاليف مقابل الحصول على بنية تحتية أفضل وتعزيز صورتها عالمياً.

وفي البلدان حيث لا تزال اللعبة قادرة على النمو، كان هناك أيضاً احتمال لتحقيق تطوير حقيقي في أنظمة كرة القدم للشباب والمحترفين. وإذا لم تكن المتعة التلفزيونية كافية، كان بإمكان الجماهير دائماً تحمل تكلفة حضور المباريات.

كان هذا المنطق وراء كأس العالم 1994، آخر نسخة أُقيمت في الولايات المتحدة. ففي ذلك الوقت، كانت كرة القدم على هامش الرياضة الأميركية، وشكّلت البطولة فرصة لتغيير هذا الواقع.

ما الفرق بين 1994 و2026؟

أميركا لا تحتاج إلى هذه المساعدة في 2026. فهي تمتلك البنية التحتية، وقطاع السياحة، ودوريات كرة القدم التي تستقطب نجوماً عالميين. ولذلك، إذا كانت الجماهير غير قادرة على شراء تذكرة لكأس العالم، فمن الطبيعي التساؤل: علامَ سيحصل الجمهور فعلياً من استضافة البطولة؟

كانت الإجابة تاريخياً واضحة بالنسبة إلى كثير من الدول. استضافت البرازيل كأس العالم 1950 جزئياً للتخلص من ارتباطها بالحكم السلطوي وتقديم نفسها كدولة حديثة.

أما كأس العالم 1966 في إنجلترا، الذي أُقيم في وقت كانت قوة البلاد تتراجع، فكان الهدف منه تعزيز مكانتها الدولية.

واستخدمت دول أخرى البطولة لإظهار تقدمها التكنولوجي. فعلى سبيل المثال، أصبحت المكسيك في 1970، بوصفها من أوائل الدول الرائدة في التلفزيون الملون، أول دولة مضيفة تبث البطولة إلى العالم بالألوان الزاهية التي يشاهدها الجمهور في الملاعب.

وفي الوقت نفسه، ساعدت الملاعب التي بُنيت لبطولة 1970 وأولمبياد 1968 في توسيع اللعبة الاحترافية المحلية، ومهّدت جزئياً الطريق أمام المكسيك لاستضافة البطولة مجدداً في 1986. كما أن بطولة كأس العالم تلك، التي أُقيمت بعد أشهر قليلة من زلزال مكسيكو سيتي المدمر، أظهرت قدرة المكسيك على الصمود.

أسعار التذاكر تمنع الجماهير من حضور كأس العالم

بالقدر نفسه من الأهمية، عززت البطولة فكرة أن المباريات يجب أن تبقى متاحة للجمهور المحلي، وليس فقط للأثرياء.

وحتى وقت قريب نسبياً، ظل حضور مباريات كأس العالم ممكناً مادياً لكثير من الجماهير العادية. ففي كأس العالم 1986، كانت أرخص التذاكر تُباع بسعر يعادل تقريباً أجر يوم عمل لعامل مكسيكي. وكان المبلغ لا يزال يمثل تكلفة مهمة، لكنه بقي في حدود الممكن.

والأهم من ذلك، أن تلك التذاكر حملت رسالة أساسية للمكسيكيين الذين تحملوا تكلفة الاستضافة وإزعاجاتها، خصوصاً بعد الكارثة الطبيعية: هذه البطولة بطولتكم أنتم أيضاً.

لكن القصة مختلفة تماماً بالنسبة إلى أميركا في 2026. وكما يحدث في كل كأس عالم، يُطلب من المواطنين العاديين تحمل أعباء الازدحام، والإجراءات الأمنية، وغيرها من الاضطرابات.

وتنفق الحكومة الفيدرالية 625 مليون دولار على الأمن، بينما تدفع كل مدينة أميركية من المدن الـ11 المستضيفة ما يصل إلى 200 مليون دولار، بحسب تقرير لـ”بوليتيكو”.

لكن الفوائد ليست واضحة بالدرجة نفسها. وبصراحة، تبدو الولايات المتحدة الطرف الخاسر في هذه المعادلة.

هل تستفيد أميركا فعلاً من كأس العالم 2026؟

يكفي النظر إلى آخر مرة استضافت فيها أميركا كأس العالم في 1994. ففي ذلك الوقت، كانت فوائد تحمّل التكاليف ملموسة.

كشرط للاستضافة، وافق الاتحاد الأميركي لكرة القدم على تأسيس دوري كرة القدم الأميركي للمحترفين. وعلى عكس الوضع الحالي، كانت الجماهير قادرة على تحمل تكلفة حضور المباريات، إذ بدأت أسعار التذاكر من 25 دولاراً.

وبعد 3 عقود، يضم الدوري 27 فريقاً داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى ملاعب مخصصة لكرة القدم ومكانة مهمة في الثقافة الرياضية الأميركية.

وحتى المكاسب قصيرة الأجل المرتبطة عادةً بالفعاليات الكبرى لا تبدو واضحة هذه المرة. فقد ظهرت تقارير تفيد بأن ما يصل إلى 80% من أصحاب الفنادق يشعرون بالقلق من أن الحجوزات أقل من التوقعات، بحسب “الجمعية الأميركية للفنادق والسكن”. 

هذا يعني أن قسماً كبيراً من الجماهير العادية لا يشعر بأنه يستفيد من قرارات الحكومات الوطنية والمحلية باستضافة البطولة ودعمها. وحتى الآن، لا يبدو أن ذلك يثير قلق “فيفا“، الذي أظهر اهتماماً محدوداً بجعل البطولة متاحة مالياً للجمهور.

وإذا لم تدفع خيبة أمل الجماهير وإحباطها الهيئة المنظمة لكرة القدم إلى التحرك، فقد يدفعها للتحرك عامل آخر أكثر حساسية، إذ إن صعوبة الوصول إلى المباريات تهدد بتجريد البطولة، وحتى البث التلفزيوني العالمي، من التجربة الجماعية والوطنية التي تمنح أحداثاً كبرى، مثل كأس العالم، خصوصيتها وتبرر حجم الاستثمارات الضخمة فيها.

المكسيك لا تزال ترى البطولة احتفالاً وطنياً

الخبر الجيد هو أن الاتفاق القديم لم يختفِ في كل مكان. ففي المكسيك، الشريك في استضافة كأس العالم 2026، لا تزال البطولة تبدو احتفالاً وطنياً أكثر من كونها منتجاً ترفيهياً حصرياً.

ومن بين الفوائد الأخرى، تشكل البطولة سبباً لتطوير ملعب محبوب، وفرصة لتحديث المساحات العامة في أنحاء البلاد، والتي ستُستخدم للاحتفال بكأس العالم خلال فترة البطولة، إضافة لكونها وسيلة لتعزيز صورة المكسيك في الخارج.

يُفترض أن تعوض هذه المكاسب العامة جزءاً من خيبة الأمل التي قد يشعر بها المكسيكيون بسبب محدودية عدد التذاكر المتاحة بأسعار معقولة، والتي تبدأ من نحو 60 دولاراً، أي ما يقارب 1038 بيزو مكسيكياً.

لكن في مرحلة ما، لن يقتصر السؤال على ما الذي سيجنيه السكان المحليون من كأس العالم. بل ما إذا كانت بطولة تقوم فكرتها على المشاركة العالمية، قادرة على تحمّل تآكل جاذبيتها الجماهيرية في أي مكان، لأن هذه الجاذبية هي ما يمنحها قيمتها ومعناها على مستوى العالم.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *