عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
بعد سنوات من الانهيار المالي الذي أطاح بالقطاع المصرفي وجمّد ودائع اللبنانيين، أنجزت لجنة المال والموازنة في مجلس النواب مناقشة مشروع قانون إصلاح أوضاع المصارف وإعادة تنظيمها، في خطوة اعتبرها البعض مدخلاً ضرورياً لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، فيما رأى فيها آخرون قانوناً ينظم مصير المصارف من دون أن يجيب عن السؤال الذي يشغل ملايين اللبنانيين: متى تعود الودائع، ومن سيتحمل الخسائر؟
ورغم أهمية القانون باعتباره أحد أبرز متطلبات الإصلاح المالي التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، إلا أن الجدل الذي رافق مناقشته كشف أن الأزمة اللبنانية لم تعد تقتصر على مصارف متعثرة، بل أصبحت أزمة ثقة وحقوق وملكية خاصة، لا يمكن معالجتها بقانون واحد مهما بلغت أهميته.
من الناحية القانونية، يهدف المشروع إلى وضع إطار واضح لإعادة هيكلة المصارف، من خلال تحديد أوضاعها المالية، وتصنيفها بين مصارف قابلة للاستمرار وأخرى تحتاج إلى إعادة رسملة أو دمج أو تصفية، بما يمنع استمرار مؤسسات مصرفية فقدت مقومات الاستمرار.
كما يمنح الجهات الرقابية صلاحيات أوسع للتدخل المبكر قبل وصول أي مصرف إلى مرحلة الإفلاس الكامل، ويضع قواعد قانونية لإدارة عمليات إعادة الهيكلة بما ينسجم مع المعايير الدولية، في محاولة لإعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي الذي كان يوماً أحد ركائز الاقتصاد اللبناني.
ويمثل القانون أيضاً أحد الشروط الأساسية التي يطالب بها صندوق النقد الدولي ضمن حزمة الإصلاحات المطلوبة لإطلاق أي برنامج دعم مالي للبنان، باعتبار أن أي خطة إنقاذ لا يمكن أن تنجح في ظل قطاع مصرفي غير قادر على القيام بوظيفته الطبيعية.
أين الودائع؟
غير أن أهمية القانون لا تلغي حقيقة أساسية، وهي أنه لا يتناول بصورة مباشرة حقوق المودعين ولا يحدد كيفية استعادة الودائع.
فالقانون ينظم أوضاع المصارف، لكنه لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية التي ما زالت معلقة منذ اندلاع الأزمة عام 2019:
- ما الحجم الحقيقي للخسائر المالية؟
- من يتحمل هذه الخسائر؟
- ما هي مسؤولية الدولة؟
- ماذا عن مصرف لبنان؟
- ما هي مساهمة المصارف ومساهميها؟
- وما هو مصير أموال المودعين؟
هذه الأسئلة تبقى مرتبطة بمشروع قانون آخر، هو قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يفترض أن يرسم خريطة توزيع الخسائر ويحدد آليات إعادة الأموال إلى أصحابها.
وبمعنى آخر، فإن قانون إصلاح المصارف يعالج “المؤسسات”، بينما يعالج قانون الانتظام المالي “الحقوق”.
بين حماية المصارف وحماية المودعين
هذا الفصل بين القانونين أثار انتقادات واسعة لدى عدد من الخبراء والاقتصاديين، الذين يعتبرون أن إعادة هيكلة المصارف قبل حسم مصير الودائع قد يؤدي عملياً إلى إعطاء الأولوية لإنقاذ القطاع المصرفي، فيما تبقى حقوق المودعين مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
ويحذر هؤلاء من أن أي إعادة تنظيم للمصارف لا تترافق مع تحديد واضح لتوزيع الخسائر قد تفتح الباب أمام تحميل جزء من الكلفة للمودعين بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر الاقتطاع من الودائع (Haircut)، أو تمديد فترات السداد، أو تحويل جزء من الأموال إلى أدوات مالية طويلة الأجل.
في المقابل، يرى مؤيدو القانون أن إعادة بناء القطاع المصرفي تشكل شرطاً أساسياً قبل أي خطة لإعادة الودائع، لأن مصرفاً مفلساً لا يستطيع إعادة الأموال لأصحابها، وأن استمرار الوضع الحالي يعني بقاء الأزمة مفتوحة إلى أجل غير محدد.
الأزمة أكبر من قانون
في الواقع، تكشف التجربة اللبنانية أن أزمة الودائع ليست أزمة مصرفية فقط، بل هي أزمة مالية وسيادية شاملة، نتجت عن تراكم سياسات مالية ونقدية استمرت لعقود، وانتهت إلى فجوة مالية تقدر بعشرات مليارات الدولارات.
ومن هنا، فإن أي قانون لإصلاح المصارف، مهما بلغت أهميته، لن يكون قادراً وحده على إعادة الودائع، لأن استرداد الأموال يحتاج إلى مصادر تمويل حقيقية، وإلى خطة متكاملة تحدد مساهمة الدولة، ومصرف لبنان، والمصارف، والمساهمين، بما يحقق التوازن بين حماية الاستقرار المالي وصون حقوق الملكية الخاصة التي يكفلها الدستور.
إقرار قانون إصلاح المصارف يمثل خطوة متقدمة على طريق الإصلاح، لكنه يبقى خطوة ناقصة إذا لم يستكمل سريعاً بإقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي سيحدد بصورة نهائية كيفية توزيع الخسائر وآليات إعادة الأموال إلى أصحابها.
ومن دون هذا القانون، سيبقى اللبنانيون أمام قطاع مصرفي يعاد تنظيمه، لكن من دون إجابة واضحة عن مصير مدخراتهم التي ما زالت محتجزة منذ أكثر من ست سنوات.
يمكن القول إن قانون إصلاح المصارف يشكل شرطاً ضرورياً لكنه غير كافٍ للخروج من الأزمة.
فهو يعيد رسم هيكل القطاع المصرفي ويؤسس لإعادة تنظيمه وفق قواعد حديثة، لكنه لا يعيد الأموال إلى المودعين، ولا يحدد المسؤوليات عن الخسائر، ولا يقدم جدولاً زمنياً لاسترداد الودائع.
ولذلك، فإن الحكم الحقيقي على نجاح هذا القانون لن يكون عند إقراره، بل عند استكماله بقانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، وبخطة مالية شاملة تعيد توزيع الخسائر بعدالة، وتعيد الثقة بالدولة والقطاع المصرفي معاً.
ويبقى السؤال الذي ينتظر اللبنانيون الإجابة عنه: هل سيكون هذا القانون بداية استعادة الثقة، أم مجرد خطوة قانونية تنظم الانهيار من دون أن تعالج أسبابه ونتائجه؟







