أخبار اقتصادية

خاطر : تعافي الاقتصاد مشروطٌ بإرساء استقرار سياسي وأمني مستدام، وبحصر القرار والسلاح بيد الدولة!

اميمة شمس الدين
الأولوية اليوم ليست لاحتساب الخسائر بل لِضمان عدم تجددها و أي تقييم اقتصادي يُجرى في ظل احتمال عودة التصعيد يبقى ناقصاً ومؤقتاً!

قياس أثر الحرب على الثقة والاستثمار والاستهلاك وفرص العمل سيبقى أكثر تعقيداً من احتساب الأضرار المادية…

ينتظر اللبنانيون توقيع الإتفاق الأميركي الإيراني، متأملين أن ينعكس إيجاباً على لبنان لجهة سريان وقف إطلاق النار بشكل جدي و دائم،
و إذا كان الجنوبيون ينتظرون بفارغ الصبر هذا الأمر من أجل العودة إلى منازلهم و قراهم و بلداتهم، ينتظر الإقتصاد اللبناني إنفراجة تنشله من المستتقع الذي يفرق فيه ، ليطوي صفحة مليئة بالأنهيار و الخسائر التي خلّفتها الحرب، ويبدأ بصفحة جديدة ملؤها الإستقرار و النهوض و الإزدهار.
و السؤال المطروح هنا:
بعد توقف الحرب مبدئياً ما هو حجم الخسائر المباشرة و غير المباشرة سيما الخسائر التي تكبدها الإقتصاد اللبناني؟
و هل يمكن للإقتصاد أن يتعافي و كم يحتاج من الوقت لذلك و ما هو المطلوب من أجل النهوض بالإقتصاد؟.
في هذا الإطار رأى الكاتِب والباحِث في الشؤون الماليَّة والإقتصاديَّة البروفسور مارون خاطر أنه لا يمكن الحديث جدياً عن حجم الخسائر الاقتصادية للحرب أو عن كلفة إعادة الإعمار قبل التثبت من توقف الحرب بصورة نهائية ودائمة، معتبراً أن الأولوية اليوم ليست لاحتساب الخسائر، بل لضمان عدم تجددها، موضحاً أنَّ أي تقييم اقتصادي يُجرى في ظل احتمال عودة التصعيد يبقى ناقصاً ومؤقتاً، فيما تبدأ عملية التقييم الحقيقية بعد تثبيت الاستقرار الأمني وانطلاق عمليات المسح الميداني الشاملة.
وأشار خاطر إلى أن البنك الدولي كان قد قدّر كلفة حرب 2023-2024 بنحو 14 مليار دولار، منها 6.8 مليارات دولار أضرار مادية مباشرة و7.2 مليارات دولار خسائر اقتصادية غير مباشرة، فيما قُدّرت حاجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، لافتاً أن هذه الأرقام تبقى تقديرات وليست أرقاماً نهائية، كما أن الحرب الحالية تبدو، وفق المؤشرات الأولية، أكثر اتساعاً من حيث الرقعة الجغرافية المتضررة وأكثر تعقيداً من حيث مدتها وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، ما يرجح أن تَصِل كلفتها الفعلية الى ضُعف التقديرات السابقة.
و إذ أكد خاطر أن الخسائر المباشرة، كالأضرار التي طالت المساكن والمؤسسات والبُنى التحتية والقطاعات الإنتاجيَّة، تحتاج إلى مَسح ميداني وتقني دقيق لتحديد حجمها الحقيقي، اعتبر أن التحدي الأكبر يكمن في تقدير الخسائر غير المباشرة، وهي غالباً الأكثر عُمقاً والأطول أثراً، سيما و أن لبنان يعاني منذ سنوات من ضعف قواعد البيانات الاقتصادية، واتساع الاقتصاد النقدي، وتعطل الدور الطبيعي للقطاع المصرفي، وغياب العديد من المؤشرات التي تسمح بقياس حركة الرساميل والاستثمار والنشاط الاقتصادي بدقة.
لذلك، فيتوقع خاطر بأن قياس أثر الحرب على الثقة والاستثمار والاستهلاك وفرص العمل سيبقى أكثر تعقيداً من احتساب الأضرار المادية ، مشيراً أن الخسائر لا تقتصر على ما تهدّم من أبنية ومنشآت، بل تشمل أيضاً ما لم يُبنَ أساساً بسبب الحرب كإلغاء الاستثمارات، وَتأجيل مشاريع، وَضَياع فُرَص العَمَل، واستمرار هجرة الكفاءات. وهذه الخسائر غالباً ما تكون أشد وطأة لأنها تصيب قدرة الاقتصاد على النمو في المستقبل.
ومع ذلك، يقول خاطر: أثبت الاقتصاد اللبناني تاريخياً قدرة كبيرة على التكيّف واستعادة جزء من نشاطه بسرعة نسبية بعد الأزمات، مستفيداً من مرونة القطاع الخاص، ودور الانتشار اللبناني، وروح المبادرة لدى اللبنانيين، لذلك، قد نشهد تحسناً سريعاً في بعض المؤشرات الاقتصادية فور عودة الاستقرار. في سياقٍ متَّصل شَدَّدَ البروفسور خاطر على أنَّ التعافي الاقتصادي لا يعني بالضرورة النهوض الحقيقي وأضاف: “قد يعود النشاط التجاري والسياحي قد وتتحسن التدفقات المالية، إلا أن هذا التعافي سيبقى هشاً ومؤقتاً إذا لم يترافق مع استقرار سياسي وأمني مستدام. فالنموّ برأييه “لا يُبنى على الهدن المؤقتة، والثقة لا تُستعاد إلا في ظل دولة قوية تبسط سيادتها الكاملة على أراضيها وتحصر قرار السلم والحرب والسلاح بالسلطات الشرعية اللبنانية وحدها”.
في الخلاصة ختم البروفسور خاطر بالقول: “إنَّ إعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ بالحَجَر فقط، بل بإعادة بناء الثقة والاستقرار والسيادة. عندها فقط يمكن تحويل التعافي الاقتصادي من مجرد رد فعل مؤقت إلى مسار نهوض مستدام يعيد للبنان دوره ومَكانَتُهُ الاقتصاديَّة”.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *