لا يقتصر أثر القفزة الحادة في عوائد سندات الخزانة الأميركية على زيادة تكلفة خدمة الدين الحكومي، بل يمتد سريعًا إلى سوق الاقتراض بأكمله، من الرهون العقارية وقروض السيارات إلى بطاقات الائتمان.
ومع صعود عوائد السندات لأجل عامين و10 أعوام إلى مستويات مرتفعة، يجد المستهلك الأميركي نفسه أمام تكلفة تمويل أعلى، في وقت يظل فيه الإنفاق الاستهلاكي أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد.
ولا يقتصر الضرر الناجم عن الارتفاع الحاد في عوائد سندات الخزانة على الحكومة الأميركية وعبء ديونها البالغ 40 تريليون دولار فحسب، بل يمتد ليشكل تهديداً برفع تكاليف الاقتراض، مما يؤثر سلباً على الجميع، بدءاً من أصحاب المنازل ووصولاً إلى مستخدمي بطاقات الائتمان، في حين يقدم فائدة محدودة للمدخرين ومزايا محتملة للبنوك.
وشهدت تكاليف الدين الحكومي الأميركي قفزة كبيرة يوم الأربعاء نتيجة لعوامل متعددة، منها تقرير حديث أظهر تزايد الضغوط التضخمية، وتصاعد التوقعات بقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة في شهر تشرين الأول، فضلاً عن نتائج مزاد لسندات الخزانة لأجل 5 سنوات التي كشفت عن ضعف الطلب عليها.
كما يُنظر إلى المنافسة الناجمة عن إصدارات الديون الضخمة من قبل شركات التكنولوجيا العملاقة، كعامل يزيد من تفاقم الوضع.
وجاءت استجابة العوائد قوية، حيث سجلت أكبر قفزة لها منذ ما يقرب من عام ونصف، وتحديداً منذ نيسان 2025 حين أعلن الرئيس دونالد ترامب لأول مرة عن فرض ما يسمى بالرسوم الجمركية المتبادلة على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.
جهود تعزيز السيولة
ولم تنجح جهود تعزيز سيولة السوق التي قادها وزير الخزانة سكوت بيسنت مؤخراً في إحداث أي تأثير حتى الآن، إذ واصلت المعدلات ارتفاعها الحاد رغم تكثيف عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل.
وفي هذا السياق، وصل عائد السندات لأجل 10 سنوات، التي تُعد معياراً لتحديد أسعار الفائدة على الرهون العقارية وغيرها من قروض الاقتراض طويل الأجل، إلى مستوى 5.125%، وهو مستوى لم يُسجل منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية.
وبالمثل، ارتفع عائد السندات لأجل عامين، التي تتأثر عادةً بتوقعات أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي وتؤشر إلى تكلفة القروض بضمان ملكية المنازل وقروض السيارات وغيرها من الديون، بأكثر من 13 نقطة أساس ليتجاوز حاجز 4.9%، وذلك مع تزايد احتمالات قيام البنك المركزي بإقرار زيادة أخرى في أسعار الفائدة خلال شهر تشرين الأول، تلو تلك التي أقرها الأسبوع الماضي.
وتُعادل نقطة الأساس الواحدة 0.01%، وتتحرك العوائد في اتجاه معاكس لحركة الأسعار.
وعادةً ما تنذر مثل هذه التحركات بارتفاع تكاليف الاقتراض، مما يلحق الضرر بالاقتصاد الأمريكي في أكثر جوانبه حساسيةً وتأثراً، ألا وهم المستهلكون، فهؤلاء يمثلون المحرك لنحو 70% من إجمالي النشاط الاقتصادي، كما أنهم يتحملون ديوناً إجمالية تناهز 19 تريليون دولار.
وفي حين سيستفيد المدخرون من ارتفاع تدريجي في أسعار الفائدة على حسابات التوفير المصرفية، فمن غير المرجح أن يعوض ذلك الأعباء المالية التي سيواجهونها في جوانب أخرى، وذلك حسبما صرح به دان نورث، كبير الاقتصاديين في شركة “أليانز تريد” في أميركا الشمالية.
وقال نورث: “يُعد المستهلك الركيزة الأهم في الاقتصاد، فهم ينتقلون من عوائد ضئيلة جداً على المدخرات إلى عوائد أخرى تزيد عنها قليلاً فحسب، وإن ظلت ضئيلة، لذا، لا أعتقد أن هذا الأمر يصب فعلياً في مصلحة المستهلك بشكل كبير حتى الآن، لكنه بلا شك يوجه ضربة قوية لقطاع الإسكان، كما يؤثر على كافة أشكال القروض الاستهلاكية الشخصية، وبطاقات الائتمان، وما إلى ذلك”.
وبحسب تقرير شبكة سي إن بي سي، يبلغ سعر الفائدة على حسابات التوفير التقليدية حوالي 0.37%، وقد شهد انخفاضاً طفيفاً منذ أن أقر الاحتياطي الفيدرالي ثلاثة تخفيضات في أسعار الفائدة، بمقدار ربع نقطة مئوية لكل منها- في أواخر عام 2025، وذلك وفقاً لبيانات المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع.
وفي المقابل، تسير أسعار الفائدة على القروض العقارية في مسار مختلف تماماً، ومن المرجح أن تواصل الارتفاع، إذ يبلغ سعر الفائدة على القرض العقاري النموذجي لمدة 30 عاماً حالياً 7.26%، مسجلاً زيادة تتجاوز ربع نقطة مئوية خلال الأسبوعين الماضيين فقط، وما يقرب من نقطة مئوية كاملة على مدار العام الماضي، وفقاً لموقع “Mortgage News Daily”.
أما أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان فقد ظلت مستقرة نسبياً على مدى السنوات القليلة الماضية، غير أنه من غير المرجح أن تحافظ على هذا الاستقرار إذا استمرت الاتجاهات الحالية على حالها.
آلية العمل
وعندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، ينعكس ذلك مباشرة على “سعر الفائدة الأساسي”، وهو السعر الذي يُستخدم كمرجع للقروض ذات الفائدة المتغيرة.
وقد بلغ هذا السعر مؤخراً 7%، وذلك بعد ارتفاعه بمقدار ربع نقطة مئوية عقب قرار الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي.
وتجتمع هذه العوامل معاً لتجعل الاقتراض أكثر تكلفة بالنسبة للمستهلكين، وتقلل من احتمالية سعيهم للحصول على القروض والائتمان التي تغذي جزءاً كبيراً من أنشطة الاقتصاد الأمريكي، الذي يبلغ حجمه 32 تريليون دولار.
ويقول نورث: “عندما ترفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ترتفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل، بل وترتفع فعلياً على طول منحنى العائد بالكامل.
فإذا أصبح شراء سيارة أمراً أكثر صعوبة على الفرد، ينخفض الطلب على السيارات، وبالتالي يقل الطلب على عمال قطاع السيارات، مما يؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد، وقد تبدو هذه مبادئ اقتصادية بسيطة، لكنها تعكس آلية عمل الأمور في الواقع”.
وهناك بعض الجوانب الإيجابية المترتبة على ارتفاع أسعار الفائدة.
فإلى جانب الفوائد التي يجنيها المدخرون، يمكن للبنوك أيضاً أن تستفيد، إذ يعتمد نموذج عمل هذا القطاع على عوامل متنوعة قد تصب في مصلحته خلال فترات ارتفاع الفائدة، بدءاً من الأسعار التي تفرضها البنوك على المقترضين، ووصولاً إلى هامش الربح المحقق من الفرق بين ما تتقاضاه البنوك وما تدفعه للمودعين، فضلاً عن فرصة الحصول على عوائد أفضل على السيولة النقدية المتاحة لديها.
ومع ذلك، شهدت أسهم البنوك تراجعاً في معظمها يوم الأربعاء، نظراً لأن الارتفاع الكبير في عوائد السندات قد يؤدي إلى تباطؤ الطلب على القروض والنشاط الاقتصادي العام، الذي كان قوياً ومستقراً بخلاف ذلك. ويُشار إلى أن بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا يتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.1% في الربع الثالث، وهو عامل آخر قد يساهم في دفع عوائد السندات نحو الارتفاع.




