أخبار خاصة

أموال الإغاثة بين تضارب الأرقام وحجم الدمار المتفاقم

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت


في ظل تصاعد الجدل حول حجم الأموال المرصودة لمواجهة آثار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، أصدر المكتب الإعلامي في وزارة المالية توضيحًا مفصلًا أعاد رسم الصورة المالية الكاملة، بعد تداول أرقام اعتُبرت غير دقيقة أو مجتزأة من سياقها.

وجاء في التوضيح أن ما نُشر حول تخصيص 50 مليون دولار فقط للإغاثة لا يعكس الحقيقة الكاملة، إذ إن هذا الرقم يمثل حصراً ما خُصص عبر وزارة الشؤون الاجتماعية من الخزينة العامة، فيما تتوزع بقية المساعدات على مصادر متعددة تشمل قروضًا ومنحًا دولية وتمويلات أممية وآليات حكومية مختلفة.

وبحسب المعطيات الرسمية، فإن الهيكل المالي للدعم يتضمن نحو 200 مليون دولار من البنك الدولي عبر برامج حماية اجتماعية وإعادة تأهيل، إضافة إلى 45 مليون يورو و32 مليون يورو إضافية من الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن مخصصات القطاع الصحي عبر وزارة الصحة، وتمويلات عبر الهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب، إلى جانب ما توفر من دعم إنساني عبر الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، والذي تجاوز بحسب التقديرات 130 مليون دولار.

تعكس هذه الأرقام واقعًا ماليًا معقدًا لا يمكن اختزاله في رقم واحد، إذ تتداخل فيه:

•   المساعدات الحكومية المباشرة
•   القروض والمنح الدولية
•   التمويل الأوروبي والأممي
•   القنوات التنفيذية اللبنانية المتعددة

هذا التشابك في مصادر التمويل يجعل من تتبع الأموال عملية دقيقة، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى تضارب في الروايات الإعلامية حول حجم الدعم الحقيقي.

وفي هذا السياق، تشير مصادر اقتصادية إلى أن غياب منصة موحدة للإفصاح المالي يزيد من التباس الصورة، ويُضعف قدرة الرأي العام على تقييم حجم الاستجابة الفعلية للأزمة.

على الأرض، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من الأرقام. فالمناطق الجنوبية وخصوصًا القرى الحدودية، إضافة إلى ضاحية بيروت الجنوبية، تواجه تداعيات حرب ممتدة أثّرت بشكل مباشر على:

•   المساكن والبنية التحتية
•   القطاعات التجارية الصغيرة والمتوسطة
•   الخدمات الصحية والاستشفائية
•   شبكات الكهرباء والمياه والطرقات
•   حركة النزوح الداخلي المتكرر

وتقدّر جهات محلية ودولية أن حجم الأضرار يتجاوز بكثير ما تم تخصيصه حتى الآن، ما يفتح النقاش حول الفجوة بين الدعم المالي المتوفر وحجم الاحتياج الفعلي لإعادة الإعمار.

ورغم تعدد مصادر الدعم، تبقى الإشكالية الأساسية في:

أولًا: عدم وجود تقدير نهائي لكلفة الحرب

لا تزال الأرقام النهائية للخسائر المباشرة وغير المباشرة غير موحدة، ما يعيق وضع خطة إعادة إعمار شاملة.

ثانيًا: توزيع غير متكافئ للاحتياجات

تتفاوت الأولويات بين المناطق المتضررة، في ظل ضغط النزوح وتعدد الجبهات الاجتماعية والخدمية.

ومعظم التمويل الحالي يندرج ضمن إدارة الأزمة وليس إعادة الإعمار، ما يعني أن الأثر طويل الأمد لا يزال غير مضمون.
البعد السياسي
يتجاوز الملف بعده المالي ليأخذ طابعًا سياسيًا واضحًا، حيث تتحول أرقام المساعدات إلى:

•   مؤشرات على فعالية الدولة في إدارة الأزمة
•   عنصر نقاش داخلي حول الشفافية والحوكمة
•   عامل مؤثر في العلاقات مع الجهات الدولية المانحة
•   جزء من معادلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي

وفي ظل استمرار التوترات جنوبًا، تبقى أي عملية دعم مرتبطة بعامل الاستقرار الأمني، ما يجعل إعادة الإعمار رهينة التطورات الميدانية والسياسية.

يُظهر توضيح وزارة المالية أن المشهد المالي للإغاثة في لبنان أكثر تعقيدًا مما يتم تداوله، وأن المساعدات تتوزع على قنوات متعددة دولية ومحلية، غير أن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذه الموارد إلى خطة متكاملة لإعادة بناء المناطق المتضررة.

فبين أرقام الدعم المتداولة وحجم الدمار المتراكم في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية، تبرز فجوة واضحة لا يمكن ردمها إلا عبر سياسة مالية موحدة، وإدارة شفافة، ورؤية إعادة إعمار تتجاوز منطق الإغاثة المؤقتة نحو التعافي المستدام.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *