جوزف فرح
بينما يقف لبنان على مفترق طرق، تواصل القطاعات الاقتصادية نضالها من أجل البقاء وتأمين استمراريتها. ومن بين أبرز القطاعات التي تحاول الصمود رغم الظروف الصعبة، يبرز قطاع التأمين بوصفه قطاعاً حيوياً يرتبط مباشرة بحماية الأفراد والمؤسسات. فماذا يقول رئيس لجنة مراقبة هيئات الضمان نديم حداد عن واقع هذا القطاع؟ وما الدور الرقابي الذي تمارسه اللجنة؟ وما موقفها من ارتفاع الفاتورة الاستشفائية والتحديات المتزايدة التي تواجه شركات التأمين؟
كيف تمارس لجنة مراقبة هيئات الضمان رقابتها على شركات التأمين، خصوصاً في ظل ما يقال عن عدم تقيد بعض الشركات بالعقود المبرمة بينها وبين المؤمنين؟
العقود الصادرة عن شركات التأمين هي عقود مبرمة بين المؤمن والشركة، وتخضع لشروط وأحكام يتم التوقيع عليها إما من خلال الوسيط أو مباشرة مع الشركة.
بشكل عام، تلتزم الشركات بهذه الشروط، إلا أن بعض الإشكاليات قد تحصل أحياناً نتيجة شوائب في طريقة تسويق بوالص التأمين، ولا سيما لجهة عدم شرح الاستثناءات من التغطية بصورة واضحة، وهي غالباً ما تكون مصدر الخلافات.
ومن واجب الشركة أو الوسيط أن يشرح للمؤمن ما يتم عرضه عليه، فوظيفة الوسيط لا تقتصر على الحصول على توقيع المؤمن واستيفاء القسط، بل تشمل شرح كل حيثيات البوليصة وشروطها ومضمونها. لذلك، فإن الشفافية مطلوبة من الوسيط والمؤمن على حد سواء، تفادياً لأي التباس لاحق.
متى يلجأ المؤمن إلى لجنة المراقبة؟
يمكن للمواطن التوجه إلى اللجنة عند وجود أي استفسار، أو عند حصول أي خلاف أو تقصير من جانب شركة التأمين في أي نوع من أنواع التأمين، ولا سيما على مستوى تسديد فواتير الاستشفاء أو رفض تغطية معينة داخل المستشفى، على سبيل المثال لا الحصر.
وفي بعض الأحيان، يحصل سوء فهم حول سقوف التغطية، أو يمارس نوع من الضغط داخل بعض المستشفيات لاستغلال وجود عقد تأمين. وفي هذا الإطار، اللجنة في حوار مستمر مع نقابة المستشفيات، ولهذه الغاية عقد اجتماع بين وزير الصحة ووزير الاقتصاد والتجارة، بحضور رئيس لجنة المراقبة، بهدف تفعيل آلية التنسيق بين الوزارتين وتحسين الأداء القائم حالياً في المستشفيات.
الملف معقد
هذا الملف معقد وصعب ويتطلب الكثير من الجهد والوقت، علماً أن المشكلة لا تقع ضمن صلاحيات اللجنة وحدها. فاللجنة تقوم بواجبها في الشق المتصل بشركات التأمين، وتلزم هذه الشركات بالتغطيات المتوجبة عليها. والأرقام تظهر أن حجم التغطيات لا يزال جيداً نسبياً، غير أن بعض التقصير يحصل أحياناً كردة فعل عندما تشعر الشركات بأنها تتعرض لنوع من الاستغلال من قبل بعض المستشفيات من خلال فواتير مرتفعة وغير مبررة.
إن الفواتير التي تقدم إلى الشركات أو المواطنين باتت خيالية، ولم يتم حتى الآن تحديد سبب منطقي لهذا الارتفاع الكبير. وقد ناقشنا هذا الموضوع في اجتماع لجنة الصحة النيابية برئاسة النائب الدكتور بلال عبدالله، حيث شددنا على ضرورة إيجاد حل لهذا التفلت في الأسعار.
فارتفاع أسعار الاستشفاء ينعكس حكماً ارتفاعاً في قيمة عقود التأمين، وهذا أمر بديهي، لكن المشكلة أن المؤمن هو من سيتحمل هذه الكلفة في النهاية، ونحن نرفض زيادة الأعباء على كاهله في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان.
هل يعني ذلك أنكم تتدخلون في الأسعار؟
نحن لا نتدخل في التسعير بصورة مباشرة، لكننا نجري دراسات لتقييم ما إذا كان التسعير عادلاً ومنطقياً ومبنياً على أرقام صحيحة.
وكما ذكرت، لدينا اجتماع بهذا الخصوص يوم الاثنين مع وزير الصحة، ونعوّل على حكمته وتعاونه لضبط ارتفاع الفاتورة الاستشفائية، وعلى تحمّل كل من المستشفيات وشركات التأمين مسؤولياتهم الوطنية في هذه المرحلة.
وماذا عن أسعار شركات التأمين؟ ألا تتدخلون فيها؟
نحن نضع الإطار القانوني والحدود التقنية للتسعير، ونوافق أو نرفض تسعير أي منتج تأميني. وفي المرحلة السابقة، حاولنا قدر المستطاع ضبط الأمور في ظل ارتفاع الأسعار المبرر جزئياً، والذي يرتبط مباشرة بارتفاع أسعار المستشفيات في العديد من الخدمات والمعدات والأدوية.
هل تصدر اللجنة قرارات إذا لجأ المؤمن إليها؟
بالتأكيد. فاللجنة تصدر القرارات والتعاميم بإشراف وزير الاقتصاد والتجارة، ولا سيما تلك المتعلقة بالتقيد بشروط العقود.
وقد ألزمنا الشركات، في أحد التعاميم، بإظهار السعر في عقد التأمين، بعدما تبيّن أن بعض بوالص التأمين كانت تصدر وتسوق من دون تسجيل السعر أو التعرفة عليها. ولمعالجة هذا الخلل، فرضنا على الشركات تدوين السعر بوضوح على البوليصة.
نحن على تنسيق دائم مع سعادة نقيب المستشفيات ، وتربطني به علاقة ممتازة، وله مني كل المحبة والتقدير.
ولا شك أن قطاع الاستشفاء والمستشفيات حاجة ضرورية يجب الحفاظ عليها، ولا أحد يريد أن يتسبب له بأي نكسة. لكن المستشفيات كانت قد رفعت أسعارها سابقاً بحدود 15%، واليوم تطلب زيادة جديدة، ومن غير المنطقي أن يتم رفع الأسعار بشكل مفاجئ ومن دون مبررات واضحة.
نحن نتفهم أن التكاليف ارتفعت، مثل كلفة المازوت واليد العاملة وغيرها، وهذا كله مفهوم، لكنه لا يبرر زيادة كبيرة خلال فترة قصيرة.
لقد وافق القطاع سابقاً على زيادة 5% كحل منطقي ومقبول، والتزمت الشركات بها رغم تسجيل خسائر في التأمين الطبي العام الماضي.
نحن حريصون على المستشفيات، لكننا حريصون أيضاً على قطاع التأمين، وما يمثله من قطاع حيوي لا يزال مستمراً رغم خسارة الشركات أموالها المحجوزة في المصارف. وعلينا حماية هذا القطاع لتجنب أي سيناريو مشابه لما حصل في القطاع المصرفي.
وأقترح، بدلاً من الجدل الدائم حول الزيادات المتتالية، الجلوس إلى طاولة مستديرة لوضع حل جذري لهذه المعضلة.
يقال إن المستشفيات قد تحمل فارق الأسعار للمؤمن إذا رفضت شركات التأمين دفع الزيادة المطلوبة؟
نأمل أن تكون أي زيادة مبررة، وأن يكون لوزارة الصحة دور أساسي في ضبط الأمور.
وقد حاول نقيب الأطباء سابقاً إضافة 50 دولاراً على كل مؤمن يدخل إلى المستشفى، إلا أن جمعية شركات الضمان رفضت ذلك، وشددت اللجنة أيضاً على رفض تحميل المؤمن هذه الكلفة الإضافية.
ألا تتخوفون من تعثر بعض شركات التأمين في ظل استمرار هذه الأوضاع؟
إذا استمر الوضع الحالي على ما هو عليه، أخشى من تراكم العجز لدى الشركات، ما قد يؤدي إلى مشكلة كبرى نسعى إلى تجنبها.
هل تقصدون الإفلاس؟
لن أستخدم هذا المصطلح، لكن تخلف أي شركة عن تسديد التزاماتها يشكل ضربة موجعة للقطاع.
نحن اليوم أمام واقع صعب جداً، إذ إن عدد المؤمنين تراجع إلى ما لا يتعدى 450 ألف مؤمن، بعدما كان في السابق يقارب 750 ألفاً. هذا التراجع الكبير، نسبة إلى عدد سكان لبنان، يدل على وجود مشكلة حقيقية في القدرة الشرائية للمواطن، إضافة إلى المنافسة غير السليمة التي يواجهها قطاع التأمين.
وإذا بقيت الحالة على ما هي عليه، فإن تراكم العجز لدى الشركات قد يؤدي إلى انفجار حتمي في القطاع.
ما التحديات الأخرى التي تواجه قطاع التأمين؟
الوضع العام في البلد هو من أبرز التحديات. وهناك أيضاً مشكلة في الجباية واستيفاء المبالغ الموجودة في السوق من الوسطاء أو المؤمنين. أما التحدي الأخطر الذي نعمل عليه، فهو ملف معيدي التأمين في الخارج.
يقال إن هناك تراجعاً في عدد معيدي التأمين في السوق اللبنانية؟
نعم، لأن معيد التأمين يعتبر أن لبنان في حالة حرب دائمة، وأنه سوق عالي المخاطر. كما أن السوق اللبنانية، في رأي بعض المعيدين، ليست كافية لتبرير بذل مجهود كبير لتلبية متطلباتها.
نحن نحاول التعاون مع جمعية شركات الضمان للإبقاء على معيدي التأمين في لبنان، رغم صعوبة الأمر. فبعضهم فرض شروطاً قاسية، وبعضهم لم يجدد العقود مع بعض الشركات، في حين نجحت شركات أخرى في تجديد عقودها.
وفي اللجنة، لا نقبل دخول أي معيد تأمين إلى السوق اللبنانية. فوفقاً لقرار الوزير، يُمنع التعامل مع أي معيد تأمين مصنف دون درجة B. وهذا الملف صعب ومعقد، ونحن حالياً بصدد معالجته.
ويبقى ملف أسعار المستشفيات المرتفعة من الملفات التي تحتاج إلى حل جذري.
ما هذا الحل الجذري؟
أنا أتفهم موقف نقيب المستشفيات، إذ إن المستشفيات تتحمل أعباء مختلفة، لكن لا يجوز أن تتحمل شركات التأمين وحدها تغطية هذه التكاليف.
قد تكون هناك طرق أخرى، كأن تمنح الدولة المستشفيات بعض الإعفاءات من الرسوم أو تقدم لها تسهيلات معينة.
وماذا عما يقال عن وجود تلاعب بالأسعار؟
هذا الأمر يظهر خصوصاً في أسعار المستلزمات الطبية. الجميع يعرف أن هناك ممارسات غير سليمة في هذا المجال.
أين الرقابة هنا؟
هذا الأمر ليس من صلاحياتنا، بل يدخل أساساً ضمن دور وزارة الصحة ومسؤوليتها.
المطلوب هو تعزيز الشفافية، والتزام الجميع بأسعار موحدة، خصوصاً أن الموضوع إنساني بالدرجة الأولى ومرتبط بصحة المواطن.
ألا يجب أن تمارس جهة ما الرقابة؟
لقد طلبنا من وزير الصحة إنشاء منصة واضحة وشفافة يستطيع الجميع الدخول إليها. كما يجب أن يكون دور الطبيب واضحاً في توجيه المؤمن إلى المستلزمات الضرورية لحالته، وأن يكون دور وزارة الصحة فاعلاً في الرقابة، مع تأمين أعلى درجات الشفافية. ونحن من جهتنا مستعدون للتعاون إلى أقصى حد.
بدأت اللجنة برفع كفالة وسطاء التأمين دون رفع رأسمال الشركات حتى الآن. هل يعود ذلك إلى الظروف الحالية في البلاد أم لأسباب أخرى؟
لقد عملنا على الملفين معاً، لكن قرار الوزير المتعلق بكفالة الوسطاء كان أسرع من القرار المرتبط برؤوس أموال الشركات.
فقد فضّل الوزير أن تقوم شركة متخصصة بإعداد دراسة حول إعادة تحديد رؤوس أموال شركات التأمين. ولأول مرة، خضعت لجنة مراقبة هيئات الضمان، من تلقاء نفسها، لإجراءات هيئة الشراء العام، تعزيزاً للشفافية.
الآلية المعتمدة حالياً تحتاج إلى مزيد من الوقت. وقد فازت إحدى الشركات المتخصصة بالمناقصة وبدأت عملها، ونحن بصدد دراسة زيادة رأسمال الشركات. وستواكب اللجنة الشركة المكلفة بالدراسة عبر تزويدها بالمعلومات التي تطلبها، على أن تقدم في النهاية تصورها، لنبحث مع الوزير الإجراء الأنسب.
قيل إن قيمة كفالة الوسطاء رُفعت إلى 50 ألف دولار ثم خُفضت إلى 20 ألف دولار. ما التوضيح؟
الكفالة هي 50 ألف دولار أميركي، لكنها مقسطة على أربع سنوات. أما مبلغ 20 ألف دولار فهو الدفعة الأولى لهذه السنة، على أن تُستكمل الدفعات لاحقاً بواقع 10 آلاف دولار في السنة المقبلة، وهكذا.
وقد تقدم بعض الوسطاء بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة، الذي لم يطعن بقيمة الكفالة، لكنه طلب وقف تنفيذ المادة الرابعة المتعلقة بسحب الترخيص. وحالياً، وزير المالية بصدد إصدار قرار جديد يتناول هذا الموضوع، مع احتمال تمديد المهلة حتى نهاية العام.
يشكو نقيب وسطاء التأمين من وجود وسطاء غير شرعيين في السوق. كيف تعالجون هذا الوضع؟
الممارسات غير الشرعية موجودة في كل دول العالم، ولا تقتصر على قطاع التأمين وحده. لكن اللجنة تتخذ التدابير المناسبة بحق كل من يثبت ارتكابه مخالفة أو ممارسته العمل من دون ترخيص.
لدينا آلية تنسيق مع نقابة الوسطاء، وقد أثير هذا الموضوع معنا أكثر من مرة. واللجنة تتابع كل الممارسات غير الشرعية وتتخذ الإجراءات المناسبة في شأنها.
صحيح أن العمل غير الشرعي موجود، لكننا نحاول قدر الإمكان الحد منه. والأساس في هذا القطاع هو الثقة، لذلك لا يمكن دائماً الإفصاح عن كل الإجراءات الرقابية المتخذة، حرصاً على عدم ضرب الثقة بالقطاع.
ألا يجب تعديل قانون تنظيم هيئات الضمان؟
بالتأكيد. نحن نعمل على مسودة جديدة تتعلق بوسطاء التأمين، خصوصاً أن القانون الحالي صدر في سبعينيات القرن الماضي، وكان آخر تعديل جوهري عليه في العام 2000.
نحن نعد حالياً رؤية علمية أشمل وأكثر تطوراً للوسطاء، وسنناقشها مع الوسطاء ونقيبهم والأعضاء المعنيين قبل إحالة مشروع المرسوم إلى مجلس الوزراء.
قوانين تنظيم هيئات الضمان تحتاج إلى تحديث شامل، وإلى نفضة جدية تواكب تطور القطاع ومتطلبات الرقابة الحديثة.




